المقريزي
525
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
فكادهم تيمور بأن عمل آلافا من شوكات الحديد مثلّثة الأطراف ، ونثرها في مجالات الفيلة وجعل على خمس مائة بعير أحمال القصب المحشو بالفتائل المغموسة بالدّهن ، وقدّمها أمام عسكره . فلما تراءى الجمعان وزحف الفريقان للحرب أضرم في تلك الأحمال النّار وساقها على الفيلة وفزعت تلك الأباعر من شدّة حرارة النّار ونخس سوّاقيها وحمزت « 1 » . هذا وقد أكمن تيمور كمينين وزحف بعساكره قليلا قليلا وقت السّحر . ثم رجع يوهم القوم أنه انهزم منهم ونكب عن طريق الفيلة كأنّ خيوله قد جفلت منها ، وقصد المواضع التي نثر فيها الشّوكات الحديد ، فمشت حيلته على الهيد « 2 » ، وعطفوا بالفيلة وهم يسوقونها أشدّ السّوق وراء عساكره حتى وقعت على ذلك الشّوك الحديد واستقبلتها تلك الجمال ، وقد اشتدّ لهب ما على ظهورها من النّيران وتطاير شررها في تلك الآفاق ، وشنع رغاؤها من شدّة نخسها في أدبارها . وقد أحسّت الفيلة بخشونة ذلك الشوك ، فاضطربت ونكصت على أعقابها تحطّم من وراءها من العساكر ، فخرج عند ذلك الكمينان من جنبتي العسكر وخطم تيمور بمن معه ، فكان أمرا مهولا وصارت القتلى كالجبال ، وسالت أنهار من دمائهم حتى أتى القتل ، ثم تراجعت الهنود وتراموا ، ثم إنهم تصافّوا واجتلدوا بالسيوف وتطاعنوا بالرّماح زمانا ، ثم كانت الكسرة عليهم عندما قتل أعيانهم وأبطالهم ، فانهزم باقيهم وفرّ ملو ، فجمع تيمور الفيلة وما قدر عليه من الغنائم ونزل على مدينة دله وحصرها أشدّ حصر حتى أخذها من جرانها واستولى على تخت الملك الأعظم واستصفى على ذخائره وأمواله وجرت عساكره على عادتها في القتل والأسر والسّبي والنّهب والتّخريب . وبينا هو في ذلك إذ بلغه موت السّلطان الملك الظاهر برقوق
--> ( 1 ) حمزت : لذعت . ( 2 ) هكذا في الأصل ، فكأنه يريد : الهنود .