المقريزي
485
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
صاحب غرناطة ، فسار معه ونازل كثيرا من بلاد الفرنتيرة مثل : جيّان وأندة وغيرها ، وعاث في بسائطها ، ونازل قرطبة وخرّب أعمالها وعاد فلحق بطره بسلطان الفرنجة الأعظم في ناحية الشمال من وراء جزيرة الأندلس ، وهو صاحب جزيرة أنكلطرّه « 1 » ، ويسمى بنس « 2 » غالس ، ووفد عليه مستصرخا به ، فتزوج بنس غالس بابنة بطره وبعث معه بابنه في أمم من الفرنجة لا تحصى ، فسار بهم حتى ملك قشتالة والفرنتيرة وهي بسيطة قرطبة وإشبيلية وطليطلة وغيرها . ففرّ منه القند ، وأقامت جموع البنس مع بطره ليالي قلائل ، ثم أصبحوا جميعا وقد ضربهم اللّه تعالى بحمى تعفّن منها قمل انتظمت منه جميع أبدانهم ، فكان الرجل منهم ، وقد تكلل بالقمل من مفرق رأسه إلى أقدامه ، فمات في مدة ثلاث ليال معظمهم ، وفرّ ابن البنس بمن بقي إلى أبيه ، فكانت هذه من أعجب الحوادث وأغرب الكائنات ، ولقد عدّها أولو النّهى من معجزات رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإنّه لو لم يكن هؤلاء من عدوة الأندلس ما تركوا بها مسلما ، وربّك على كل شيء قدير . فلما رجع ابن البنس زحف القند بمن معه إلى أخيه ، فملك البلاد وحاصر أخاه بطره في بعض حصون جلّيقيّة ، ثم تراسلا في الصّلح ، ونزل إليه ، فأخذ القند في سبّ بطره واقتحم عليه فتعاركا مليّا حتى صرع بطره أخاه القند وألقاه إلى الأرض وعلاه ، ولم يكن مع أحدهما سلاح ، فتقدّم بعض خدام القند إليه ، وناوله سكّينا فبقر بها بطن أخيه بطره فتخلّى عنه ، القند فأجهز عليه حتى هلك وملك بعده ، وأمر بالغلام الذي ناوله السكين فشنق ، لأنّ العادة عندهم أن من قتل ملكا أو أعان على قتله يقتل ، وكان قتل بطره سنة ثنتين وسبعين وسبع مائة ، وقد قيل : إنّ القند لما حصر أخاه بطره وأشرف على أخذه بعث بطره إلى بعض أكابرهم سرّا يسأله أن ينزل
--> ( 1 ) يعني : انكلترا . ( 2 ) يعني : برنس ، وهو الأمير .