المقريزي

474

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )

عفّوا ولا كفّوا بل فعلوا من أنواع الفساد ما لم يسمع بمثله إلا في أخبار تيمور لنك ، فكانت هذه الحادثة من مصيبات الدّهر ، كما قد بسطت خبرها في كتاب « السّلوك لدول الملوك » . وفي سنة ثلاث وثلاثين عمّ الوباء أرض مصر وغزّة وبلاد الشام ، فمات عالم عظيم جدا ، ومع ذلك منع « 1 » السّلطان جميع التجار أن يبيعوا للفرنج فلفلا ولا غيره من بضائع الهند وهدّدوا على ذلك ، فصار الصّنف الهندي متجرا للسّلطان يشترى له من جدّة ويحمل إلى الإسكندرية ، فيلزم الفرنج لشرائه على أن يكون كل حمل من الفلفل بمائة وثلاثين دينار وسعره في القاهرة بخمسين دينار الحمل ، وطرح بالقاهرة السّكّر على النّاس ، فاشتدّ البلاء وتضاعف الكرب مع ما نزل بالنّاس من الوباء الشّنيع حتى قيل : إنّه أخرج في يوم واحد من أبواب القاهرة زيادة على اثني عشر ألف ميّت ، فأقل ما قيل : أنّه مات بأرض مصر مائة ألف إنسان والمكثر يقول : أنّ هذه العدة من القاهرة ومصر فقط ، وإنّه مات من النواحي مثلها أو أكثر منها . وأهلك اللّه في هذا الوباء من المماليك السّلطانية نحو الألف ، فأراح اللّه منهم ، وذلّ من بقي منهم بعد ذلك ، وللّه الحمد . وفي محرم سنة أربع وثلاثين أخرجت تجريدة من القاهرة إلى الشّام ، ثم ردّت من سرياقوس ، وأخذ منهم ما أنفق فيهم . وفي رمضان سنة خمس وثلاثين أحيط بما وجد في القاهرة ومصر والإسكندرية من الفلفل للتجار وألزموا ببيعة للسّلطان من حساب خمسين دينار الحمل ، هذا وقد ابتاعوا الحمل في أول السّنة من السّلطان لسبعين دينارا ، ومنعوا بأجمعهم من شرائه ومن بيعه بالإسكندرية للفرنج فصار متجرا يختص السّلطان به . وفي شوال اشتريت الغلال من جميع أعمال مصر للسّلطان وخزنت

--> ( 1 ) في الأصل : « فمنع » ، ولا يستقيم المعنى .