المقريزي
448
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
العشير ، فأفسداه وما انصلحا ، وخسراه وما ربحا ، فكأنّه عنى شأنهم من أظهر قولهم وشانهم بقوله : وما ينفع الجرباء قرب صحيحة * إليها ولكن الصّحيحة تجرب ولم يزل على طريقته العرجاء ، فأشبه لما أجارهم مجير أمّ عامر العرجاء ، فنهيناه فما انتهى ، ونبّهناه فما ارعوى ، فأريناه العبر في غيره فما اعتبر ، وناداه لسان انتقامنا من المخالفين الحذر الحذر ، وكنا وضعنا اسمه مع اسمنا على عادة حشمتنا وأدبنا في المراسلات ورسمنا ، فتعدّى طوره ، وأبدى جوره ، وكان في بعض مراسلاته وما وضعه في مكاتباته ، كتب اسمه تحت اسم طهرتن ، وهذا هو الواجب عليه والحسن ، ولا شكّ أنّ طهرتن بالنسبة إلينا كبعض خدمنا وأقلّ حشمنا ثم إنّه - أعني أبا يزيد - لما طالع كتابنا وردّ جوابنا ، وضع اسمه فوق اسمنا بالذّهب ، وهذا لما فيه من كثرة الحماقة وقلّة الأدب . ثم ذكر باقي الكتاب . فلما بلغ ابن عثمان توجّه تيمور إليه ، استعدّ لقتاله ، وكان على مدينة إستنبول محاصرا لها وقد قارب أن يفتحها ، فتقدّم إلى رؤساء عساكره أن يتأهّبوا لقتاله واستعان بالعلوج النّصارى ، وطلب التّبار وهم أصحاب مواشي فربما كان للواحد منهم عشرة آلاف جمل وعشرة آلاف فرس ، ولهم من الأغنام والأبقار ما لا يحصى ، وهم يصيّفون ويشتون في بلاد الروم وبلاد قرمان إلى ضواحي سيواس ، ولملوك تلك الأقطار عليهم عوائد ، وفيهم إحسان وبرّ لمن يقصدهم ، وهم عدد كثير يقال : إنهم ثمانية عشر ألف طائفة ، فأتوا إلى ابن عثمان بأجمعهم ، وكان تيمور قد تلبّث عن المسير ، وكتب إلى أكابر التّبار المذكورين يفجدهم عن ابن عثمان ، ويذكرهم بأنه وإيّاهم ينسبون إلى أب واحد . ويشنّع عليهم طاعتهم لابن عثمان فإنّهم أحقّ بالملك منه وأولى به ، ووعدهم أنه إذا زال ابن عثمان عن بلاد الرّوم جعلهم عوضه ملوكا بها ، وأغراهم به وحثهم على أنهم إذا وقع المصاف انحازوا إليه ، فمشت خدعه عليهم