المقريزي
441
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
وشرط عليهم أن قاضيه يحكم فلا ينقض ملك قسطنطينية حكمه ، وأنّ له أن يحكم بنقض ما حكم به الملك فالتزموا له ذلك . ثم تطاول حتى عمر له بيتا عظيما في أدرنابولي ، وكثرت في أيامه عمارة الجوامع والخوانك ، وتزايد عدد الفقهاء والصّلحاء في أعماله ، ووالى إرسال الجيوش والعساكر لغزو طوائف الكفر ، حتى قام غالبهم بالجزية له ، وصار لا يقيم ببلده بل لا يزال في الغزو والقتال . وبنى له بكل منزلة قصرا وعمل به جميع ما يحتاج إليه من الفرش والأواني ونحوها بحيث لا يحمل إذا سافر شيء من ذلك ، بل يجد حيث ما نزل كلّ ما يختاره . وبالغ في إظهار العدل وحمل الكافة عليه ، وجعل سائر الأمور مقرونة بأحكام الشّرع ، فكان لا يتعاطى هو ولا أحد ، سوى القضاة شيئا من الأحكام بين الناس . وصارت أموال أعماله كلها تحمل ، ما يتحصل من معادنها وغنائمها وعشورها وخراجها إلى بيت المال . وأقام على بيت المال رجلا أجمعوا على علمه ودينه . وصار الوزير وأمراء الدولة وجميع الشادّين إنما وظيفتهم استخراج الأموال من جهاتها وحملها إلى بيت المال . ورتّب للقضاة وكتّابهم ونيابهم حتى لرسلهم ما يكفيهم بمعاليم مقرّرة على بيت المال . فكان الرجل إذا شكا غريمه إلى القاضي على حقّ شرعي ، كتب له في ورقة ليحضر ، وكانت هذه الورقة تسمى عندهم نيشان القاضي ، أي علامة القاضي ، فلا يستطيع أحد مخالفة تلك الورقة ، ولو كان السّلطان هو المطلوب ، بل يبادر عندما يراها ويحضر مع غريمه إلى القاضي حتى يمضي فيه حكمه . وشرط على القضاة ونواب الممالك أنّ من ولي عملا في شهر من السنة ، فإذا أدركه ذلك الشهر من قابل ، جلس بجامع البلد وطلب أكابر أسواق المدينة التي هو قاضيها أو أميرها ، فيحضر كبير من كل سوق ومعه أهل سوقه ، وتحضر سائر الطوائف بأكابرها ويكتبون جميعهم محضرا بسيرته فيهم أيام ولايته