المقريزي
417
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
فلما فحش أمره أخذ ذلك العبد في بعض الأيام يحادثه ويماشيه وهو يتأنس به ، حتى مر به بين القصرين ، وحاذى المارستان ، احتمله وعبر به إلى قاعة المجانين فسجن بها مدّة ، فصار الناس يدخلون عليه لعيادته ، فيحدّثهم بأنه فعل مع عبده رشيد حيلة حتى سجن هنا ، فعوقب بأن احتال عليه رشيد وأدخله هنا ، ويبكي ، فيبكي النّاس لما يعلمون مما كان فيه وما صار إليه ، نعوذ باللّه من سوء عاقبة القضاء . وأخبرني أنه لما توجه في النيل إلى بلاد الصّعيد صعد جبلا ومعه مؤدّبي شمس الدين محمد الخزرجي فإذا بأعلاه شيء من الذرة ومقثأة مزدرعة ، وقد أقبل شخص عليه أطمار رثّة ، فرحب بهما وأخذ يطعمهما من تلك المقثأة ، وذكر أنه في هذا الجبل مدّة ثلاثين سنة لم ير أحدا من النّاس سواهما ، وأنه قدم إليه بقليل من الذّرة وشيء من لبّ الخيار فزرعه هنا ، واللّه يسقيه له . قال : فأنسنا به ساعة ، ثم قام عنا ومضى قليلا ، ثم عاد ومعه غزال قد كان نصب له حبالة ، فاستخرج النار وشوى لنا من لحمه ، فأكلنا ودفعت إليه مالا فلم يقبله ، وقال : لا حاجة لي به ، لكن إن رأيت أن تعطيني قليل قمح أجعله عوض الذّرة ، فافعل ، فأحضرت له من مركبنا قمحا فلم يأخذ منه سوى ستة أقداح ، وانصرفنا عنه . وأخبرني أنه رأى ساقية على بئر بناحية قليوب إذا أخذ منها قطعة خشب ووضع في شيء من ذلك الماء ليلا أضاء كما يضيء الجمر . وأخبرني عن أبيه ، وهو جد أمي لأمّها ، أنه كان قليل المال دون أهله ، فحجّ في بعض السّنين ، فوجد المسك بمكة يباع كل مثقال بخمسة دراهم ، فاقترض هو وشخص من معارفه نحو المائة ألف درهم ، واشتريا بها مسكا ، وسار مع الركب إلى القاهرة والمسك معهما على جملين ، فاتفق أنهما ناما مرّة في أثناء الطريق وقاما فلم يجدا الجملين بحمليهما ، فضاقت عليهما الأرض بما رحبت ، ومرّا على وجوههما في البرّية يريدان العود إلى مكة فرارا من صاحب المال ، فلم يمضيا عن الرّكب إلا قليلا