المقريزي

410

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )

ناظر الجيش ، وأشاع أنه يتبرّم من السّفر مع السّلطان إلى الشام ، ويريد الإعفاء من المنصب ، وكان السلطان قد عزم على السفر ، ومحمود يروم أن يضاف إليه منصب القضاء ، ولا يطيق مناوأة الطّرابلسي ، فلما صرف بالمجد إسماعيل وعرف أنه ارتبك في المنصب وفشل ، تعمّل في ولايته القضاء بما ذكرنا ، وأعانه على ذلك أن المجد كان قد بدن وتزايد سمنه إلى الغاية حتى صار إذا أراد أن ينهض قائما يعتمد على يديه ويرفع عجيزته عن الأرض ، ويظلّ ساعة ويديه ورجليه على الأرض وعجيزته مرتفعة حتى يستطيع أن يقوم ، وفعل ذلك غير مرّة في مجلس السّلطان . فبلغ محمود من كيده بالمجد ما أراد ، وظنّ السلطان الأمر كما قال ، وأعانه عليه قوم آخرون ، فصرفه مع إجلاله له وتعظيمه إياه ، فإنه لم يكن ممن كتب لمنطاش في الفتاوى التي كتبت فيها الفقهاء بإباحة قتال برقوق وقتله ، وسأله السّلطان عن عدم كتابته مع الفقهاء ، فقال : استترت في منزلي وتغيبت عندما طلبت فأعجب بذلك . وكان صرفه يوم الثلاثاء خامس عشر شعبان سنة ثلاث وتسعين قبل أن يكمل سنة ، فأقام في منزله خاملا لا يؤبه له ولا يلتفت إليه ، وعلت سنه ، وضعف بدنه ، وأهرمه الهمّ من مقاساة آلام الفقر ، وثقل الجناح بكثرة العيال ، فقد نور عينيه ، وساءت حاله إلى أن مات أوّل شهر ربيع الأوّل سنة اثنتين وثماني مائة . وكان رحمه اللّه متثبّتا في التّحديث لا يحدّث إلا من أصله ، جميل العشرة ، فكه المحاضرة ، بهج الزّيّ ، إماما يقتدى به في معرفة الشّروط والوثائق ، صدرا من صدور المصر ، علامة في الفرائض والحساب المفتوح ، عنه أخذت ذلك ، وقرأت عليه كتاب « التكملة في علم الحساب » لعبد القاهر الجرجاني ، أحد مشايخ الحديث المتصدّرين للإسماع . حدّث بكثير من كتب الحديث ، فسمعت عليه جميع كتاب « السنن » لأبي داود ، وجميع كتاب « جامع أبي عيسى الترمذي » ، وجميع كتاب « السيرة » لعبد الملك بن هشام ؛ وأجازني بكتاب « حلية الأولياء »