المقريزي
336
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
وهو به ، فارتاع لذلك وأقام أياما لما به وهلك . فأقيم بعده ابنه المنصور عبد اللّه بن أحمد ، وكان ملكا مهابا مطاعا ، مهذبا ، مؤدّبا ، ذا رأي سديد وبأس شديد . وله وقائع مشهورة ، وحروب مذكورة ، مع مكارم غزيرة ، إلا أنه شره في أخذ المال من غير وجهه ، وتجاوز الحدّ في الظّلم ؛ وذلك أنه كان في ابتداء أمره مع أمراء أبيه وشيوخ خدّامه ، ولهم آراء جيدة ، ومعرفة تامة بأحوال المملكة ، لما مرّ بهم من التّجارب . وكان إذا نزل به حادث من ثلم ثغر ، أو حدوث فساد علم به قبل كلّ أحد ، وبادر بجمع الأمراء وإعلامهم بما حدث ، فإذا رأى ما هم فيه من الانزعاج لذلك أخذ في تسكين روعهم ، وقال : عوائد اللّه تعالى في عبده جميلة ، ولطائفه به معهودة . فيدير القوم الرّأي ، ويشير كلّ منهم بما يراه ، وهو مصغ لهم . وكانوا لكثرة إحسانه لهم قد أحبّوه بكلّ قلوبهم ، فيبذلون له النّصح بجهدهم ، ثم ينفضوا عنه فيستدعي واحدا واحدا منهم في خلوة ، ويفاوضه في أمر أجنبيّ مما نزل به ، ثم يعرّض له بذلك الحادث حتى لا يظنّ أنه محتاج إليه في الرّأي ، وليعلم ما في باطنه مما عساه كتمه عن أصحابه ، حتى إذا أتى على ما عندهم اختار منه أو مما يراه في ذلك أمرا ، وأمضى ما عزم عليه ، فتبعه الجميع من غير توقّف منهم ولا معارضة في شيء . فلذلك كانت آراؤه سديدة غير مخطئة في شيء ، وأوامره ماضية مدّة حياة رجال دولة أبيه حتى انقرضوا وانتشأ من أتباعه الأحداث ، انحلّ ذلك العقد وتناثر السّلك . وكان كثير الشفقة على رعيّته ، ناظرا مصالحهم ، متفقّدا لأحوالهم ، قامعا للمفسدين منهم ، فأمنت السّبل في أيامه بحسن سياسته وجودة تدبيره ، فإنه استمال من كلّ طائفة من طوائف المفسدين جماعة وقرّبهم منه وبالغ في الإحسان إليهم حتى كفّ كلّ جماعة منهم قومهم عن الفساد . هذا واليمن تكاد بلاده أن يكون تحت كل حجر منها مفسد ، وفي ظلّ كلّ شجرة معاند ، فانقادوا بأجمعهم لدولته وأذعنوا كلّهم لطاعته ، إما