المقريزي

333

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )

بالشام ، وعهد إليه أنه السّلطان من بعد موته ، وأوصاه ألا يمكّن من اليمن أحدا من بني أيّوب . فمات المسعود بمكة ، فلم ينتقل نور الدين عن كونه نائبا عن السّلطان الملك الكامل ، وأخذ يولّي الحصون لثقاته ، ويقتل ويسجن من يتخوفه . فلما استوسق أمره في التّهائم من اليمن حصر حصن تعزّ في سنة ستّ وعشرين ، وأخذ حصن التّعكر ، وحصن خدد ، ثم ملك صنعاء ، واستناب بها ابن أخيه أسد الدّين محمد ابن الأمير بدر الدين حسن ، وأخذ حصن براش من الأمير نجم الدين أحمد بن زكري بعد حصار . ثم دعا لنفسه في سنة تسع وعشرين ، وتلقب بالملك المنصور ، وضرب السّكّة باسمه ، فخطب له على منابر اليمن ، وقطع الحمل الذي يبعث به إلى مصر ، فأخرج السّلطان الملك العادل أبو بكر ابن الملك الكامل عمومة نور الدين من مصر ، وكانوا رهنا على الطاعة ، لينازعوه فغلب عليهم وحبسهم . وبعث في سنة إحدى وثلاثين هدية جليلة إلى الخليفة أمير المؤمنين المستنصر باللّه وسأله أن يقلّده بلاد اليمن ، فأجيب بأنّ التشريف والتقليد يوافيانك بعرفة ، فركب النّجب وقدم مكة وحجّ ، فلم يأته شيء مما وعد به ، فعاد إلى اليمن وقد تنكّر على الشريف راجح بن قتادة أمير مكة من أجل أنه تغيّب عنه ولم يقابله ، فقدم عليه رسول الخليفة في سنة اثنتين وثلاثين بما طلبه ، فصعد الرسول المنبر وقال : يا نور الدين ، الديوان السعيد يقرئك السّلام ويقول : قد تصدّقنا عليك باليمن . وأفاض عليه التشريف الخليفتي ، فامتدّت مملكته من عدن إلى عيذاب وكان قد ملك مكة في سنة تسع وعشرين ، ثم أخذت منه ، وأخذها ثانيا ، وجرت له فيها شؤون ، ثم مات ليلة السبت تاسع ذي القعدة سنة سبع وأربعين وست مائة بقصر الجند ؛ قتله مماليكه بمباطنة ابن أخيه أسد الدين محمد بن الحسن لأنه أراد عزله من صنعاء وتولية ابنه الملك المظفّر يوسف . وكان حنفيّ المذهب ، ثم تحوّل شافعيا ، وعمّر باليمن مدارس . وكان شجاعا مقداما ، ذا عزم وحزم .