المقريزي

255

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )

ومات ، وعاد الأبناسي إلى القاهرة ، فبلغه سعي السّبكي في وظائفه ، وتأخّرت وفاته بعد السّبكي زيادة على ثمان وعشرين سنة . قال شيخنا العماد ابن كثير في حقّه : كان عابدا قانتا . وقال فيه ابن حبيب : إمام علم زاخر اليمّ ، مقرون بالوقار الجم ، وفضله مبذول لمن قصده وأمّ ، وقلمه كم باب عدل فتح ، وكم شمل مفرّق ضمّ . كان مواظبا على التّلاوة والعبادة ، ومن شعره : أتتني فآتتني الذي كنت طالبا * وحيّت فأحيت لي منى ومآربا وقد كنت عبدا للكتابة أبتغي * فرقّت على رقّي فصرت مكاتبا واتّفق أيضا أنه لما مرض أوصى بوظائفه إلى أولاده وأولاد أخيه تاج الدّين ، وكتب كتابا بخطّه إلى القاضي محي الدين ناظر الجيش بما عيّنه لكلّ واحد منهم ، ودفع إلى نجّاب من أهل مكّة ألف درهم على أنه ساعة أن يموت يتوجّه بالكتاب من مكّة إلى القاضي محب الدين ناظر الجيش بالقاهرة ، ولا يعلم أحدا بذلك ، ففعل النّجاب ما أمره به ، فلما وصل الكتاب إلى ناظر الجيش علم صاحبنا الشيخ زين الدين أبو هريرة عبد الرّحمن ابن النّقّاش بموت البهاء ابن السّبكي ، فترامى على الطّواشي مختص النّقّاشي ، وسأله في أخذ خطابة جامع أحمد بن طولون ومشيخة الميعاد بدله ، وكان مختصّ المذكور طواشي أبيه الشّيخ شمس الدين أبي أمامة محمد ابن النّقّاش ، وهو يومئذ له اختصاص زائد بالسّلطان ، فللحال سأل مختص السلطان الأشرف شعبان بن حسين في ذلك ، فولّى زين الدين أبا هريرة ذلك ، ولم يقدر ناظر الجيش على ردّه ، وعجز عن دفعه ، وأخذ شيخنا الشيخ سراج الدّين عمر البلقيني درس التّفسير وقضاء العسكر ، وأخذ شيخنا قاضي القضاة بهاء الدين أبو البقاء تدريس الشافعي ونظره ، وتدريس المنصورية ، وأخذ عزّ الدين الطّيبي تدريس السّيفية ، وأخذ صاحبنا الكمال الدّميري تدريس الكهارية . وولى الأمير الجاي تدريس الشّيخونية للبهاء أبي البقاء ، فلم يمض ذلك شيخنا الشيخ أكمل الدين شيخ الخانكاه الشيخونية وولّاها شيخنا الشيخ ضياء الدين