المقريزي
247
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
ثم سار في سنة إحدى وثمانين إلى مدينة قابس وملكها من يد أبي مروان عبد الملك بن مكي اللّواتي ، وكان له ولآبائه بها نحو مائة سنة وخمسين سنة ، ولهم فضائل ومكارم فزالت به دولتهم ، ولم يزل يدوّخ مملكة إفريقية وأرض الجريد حتى استقامت له عامّتها ، وتوطّد بها سلطانه . وكان يخطب له بأطرابلس ، وتضرب السّكّة باسمه ، ويحمل له خراجها وهي بيد بني ثابت الزّجوجي من زجوجة البربر من نحو سبعين سنة ، والقائم بها منهم يومئذ الشيخ أبو يحيى أبو بكر ابن الشيخ أبي عبد اللّه محمد بن ثابت بن عمّار . 159 - أحمد ، ويعرف بصارو سيدنا ، ومعنى صارو : الأشقر بالتّركية « 1 » . كان من الأتراك المتزيّين بزيّ الفقراء المتصوّفة ، يداخل أمراء الدّولة بالقاهرة مداخلة مستمرة ، ويلازمهم ملازمة دائمة . وأوّل من شهر بصحبته الأمير شيخ الصّفوي أمير مجلس في الأيام الظّاهريّة برقوق . ومن هذا الأمير عرفته ، وتعرّف هو من الأمير شيخ المذكور بشيخ المحمودي ، ورحل إليه لما ولي نيابة الشام في الأيّام الناصريّة فرج بن برقوق ، واستوطن دمشق ، وتردّد إليّ لما قدمتها ، ولم يزل مصاحبا للأمير شيخ ، أثيرا عنده ، مكينا لديه حتى مات بحلب وهو في عشر الستين يوم الأربعاء تاسع عشري شعبان سنة أربع عشرة وثماني مائة . وكان حسن الاعتقاد ، كثير الإنكار على أهل البدع ، محبّا للسنّة وأهلها ، يصدع أمراء الدولة بالنّكير عليهم ، ويجبههم بالغضّ منهم والتّبكيت لهم ، فيحتملون منه ما لا يتجرأ سواه على التفوّه به . قال لي ، وقد جاءني بدمشق زائرا في سنة ثلاث عشرة وثماني مائة ، والناس إذ ذاك من الظّلم في أخذ الأموال والعقوبة على أخذ أجر
--> ( 1 ) ترجمته في : إنباء الغمر 7 / 31 ، وذيل الدرر ، الترجمة 374 ، والضوء اللامع 1 / 373 .