المقريزي

220

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )

وسبع مائة ، وقرأ في صغره القرآن الكريم وعدّة كتب ما بين فقه وأصول وعربية ، وبيان ، وحديث . واشتغل على المجد إسماعيل البرماوي مدّة ، ثم لازم دروس شيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقيني ، والحافظ زين الدين عبد الرّحيم العراقي ، وسمع الحديث ، وتخرّج فمهر في الفقه والعربيّة وشارك في غيرهما ، وتكسّب بالجلوس في حانوت الشهود سنين ، فبرع في الوراقة . وصحب ناصر الدين محمد ابن الطبلاوي الوزير ثم الأمير يلبغا السّالمي فتمكن منهما لبشاشة وجهه وبشره ، وتملّقه وتودّده ، وحسن صورته وجميل محاضرته ، فتنبه حظّه ، وناب عنّي في الحسبة فحكم على بابي أيام ولايتي في سنة سبع وثماني مائة ، ثم ناب في الحكم بجامع الصالح عن قاضي القضاة جلال الدين البلقيني عدّة سنين فدرب القضاء دربة جيدة ، وأثرى منه بعد قلّة ، واشتهر بحسن السّياسة وفصل القضاء بين المتداعين إلى أن مات شيخ الشيوخ شمس الدين محمد بن أحمد بن محمد البيري في رابع عشري ذي الحجة سنة ثمان وعشرين وثماني مائة ، فولي عوضه مشيخة خانكاه سعيد السّعداء ، ودرّس أيضا بخانكاه شيخو ، ثم ولي قضاء القضاة بدمشق في أوّل جمادى الآخرة سنة اثنتين وثلاثين عوضا عن بهاء الدين محمد ابن نجم الدّين عمر ابن حجي بغير مال ولا طلب ، بل استدعاه السّلطان وعرض عليه ذلك فقبله وخلع عليه فتوجه إليها في تجمّل حسن ، وباشر أحسن مباشرة إلى أن صرف بالقاضي كمال الدين محمد ابن البارزي كاتب السّرّ في أوّل شعبان سنة خمس وثلاثين ، فأعيد إلى القاهرة وأعيدت إليه مشيخة سعيد السّعداء وتدريس الشيخونية فأقام على ذلك إلى أن أخرج إلى القدس مدرّس الصّلاحية من أجل أنه لم يبذل من المال ما طلب منه ، فلم يزل بالقدس حتى مات ليلة السّبت سادس عشري ربيع الآخر سنة أربعين وثماني مائة فدفن بها ؛ فنعم الرّجل كان سياسة وصرامة ومعرفة وفضيلة . رحمه اللّه .