المقريزي
217
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
فلما مات أبو فارس سنة ثمان وتسعين وسبع مائة عقد الأمر لأخيه أبي عامر عبد اللّه بن أبي العبّاس وقام بأمره وكفالة دولته حتى مات سنة تسع وتسعين في يوم الفطر ، فأخذ البيعة لأخيه أبي سعيد عثمان بن أبي العبّاس ، وجرى على عادته في القيام بالدّولة إلى أن دبّت عقارب السّعاية به عند سلطانه أبي سعيد ووشى به عداته أنه يريد خلعه من الملك وإقامة بعض الإخوة ، ففطن بذلك ، ورام أن يتخلّى عن الأمر ، ويترك ما هو فيه ، ويخرج عن ملابسة الدّولة ، ومخالطة السّلطان ، فلم يمهله عداته ، وبادره السلطان أبو سعيد بأن بعث إليه وإلى ولده أبي زيد عبد الرّحمن يستدعيهما على عادته ، فلما صارا إليه قبض عليهما وسجنهما وطلب منهما المال ، فحملا إليه حتى ( إذا ) « 1 » لم يقدر منهما على شيء أمر بهما فذبحا ذبحا في يوم الأحد ثامن شوال سنة ثلاث وثماني مائة ، وأقام بعدهما في الحجابة القائد فارح بن مهدي . وكان أبو العباس رحمه اللّه حسن السياسة ، مجتهدا في العمارة ، ناهضا بأعباء الدّولة ، فكانت الأوطان في أيّامه عامرة ، وجباياتها دارّة ، والرّعايا في نعمة غامرة ، والملوك الدّانية والقاصية تخشى بأسه وترغب في إحسانه . وبلغ من جميل سيرته وبديع سياسته أنه اجتمع على مائدة واحدة بين يدي سلطانه رسول ملك مصر ، ورسول ملك الحبشة ورسول صاحب إفريقية ، ورسول متملّك تلمسان ، ورسول ابن الأحمر صاحب غرناطة من الأندلس ، وعدّة رسل من ملوك الفرنج ، وجماعة من أمراء السّوس ومزاورة « 2 » جبال مرّاكش ، وكان له ولولده أبي زيد عبد الرحمن في الجود والإفضال أخبار لولا شهرتها لما صدّقت ، لغرابتها وبعدها عن سير ملوك زمانه ، فمنها أنه أنشد يوما في مجلسه وابنه معه فيه رجل قول حمّاد بن عجرد « 3 » :
--> ( 1 ) إضافة منا لا بد منها . ( 2 ) بنو مزوارات بطن من صنهاجة . ( 3 ) هكذا في المسودة والأصل « حماد بن عجرد » ، وهو خطأ بيّن ، فعجرد لقب -