المقريزي
209
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
بزيّ الأجناد ، ويسلك طريق الأمراء فيركب بالجوارح والكلاب إلى الصّيد ، ويلازم الخدمة السّلطانية إلى أن مات السلطان ابن أرتنا عن ولد صغير اسمه محمد فأقيم بعده ، وقام الأمراء بأمره وهم غضنفر بن مظفّر ، وفريدون ، وابن المؤيد ، وجي كلدي ، وحاجي إبراهيم ، وأكبرهم الذي يرجعون إليه في الرأي والتدبير قاضي سيواس والد البرهان هذا . فدبّر الأمراء المذكورون أمر الدولة مدّة حياة القاضي ، فلما مات ولي ابنه برهان الدين أبو العباس أحمد مكانه ، فسدّ مسدّه وأربى عليه بكثرة علمه ، وحسن سياسته ، وجودة تدبيره ، وأخذ في إحكام أمره ، فأوّل ما بدأ به بعد تمهيد قواعده أن فرّق ولاية أعمال المملكة على الأمراء ، فأخرج إليها ابن المؤيّد وجي كلدي ، وحاجي إبراهيم ، وبقي حول السلطان منهم فريدون وغضنفر فثقلا عليه ، وأحبّ أن ينفرد بالأمر دونهما فتمارض ليقعا في قبضته ، فكان كذلك ، ودخلا عليه يعودانه ، فما استقرّ بهما القرار حتى خرج عليهما من رجاله جماعة قد أعدّها في مخدع ، فقبضوا عليهما وخرج من فوره فملك الأمر من غير منازع ، وتلقّب بالسّلطان ، فلم يرض بذلك شيخ نجيب متولي توقات ، ولا جي كلدي نائب أماسية ، فخرج القاضي برهان الدين واستولي على مملكة قرمان وقاتل من عصى عليه ، ونزع توقات من شيخ نجيب ، واستمال إليه تتار الرّوم وهم جموع كثيرة لهم بأس ونجدة وشجاعة ، واستضاف إليه الأمير عثمان قرايلوك بتراكمينه فعزّ جانبه . ثم إنّ قرايلوك خالف عليه ومنع تقادمه التي كان يحملها إليه ، فلم يكترث به القاضي برهان الدين احتقارا له ، فصار قرايلوك يتردّد إلى أماسية وأرزنجان إلى أن قصد ذات يوم مصيفا بالقرب من سيواس ، ومرّ بظاهر المدينة وبها القاضي ، فشقّ عليه كونه لم يعبأ به ، وركب عجلا بغير أهبة ولا جماعة وساق في أثره ليوقع به ، حتى أقبل الليل فكرّ عليه قرايلوك بجماعته فأخذه قبضا باليد ، فتفرّقت عساكره شذر مذر . وكان قرايلوك قد عزم على أن يعيده إلى