المقريزي

189

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )

الكاتب شمس الدين محمد بن محمد بن نمير الشهير بابن السّرّاج ، قال : رحلت إلى ثغر إسكندريّة لأخذ القراءات عن شيخنا مكين الدين عبد اللّه ابن منصور السّمسار في البر ، عرف بالمكين الأسمر ، فلزمته مدّة أقرأ عليه في خلوته بجامع العطّارين من الثّغر ، وبكّرت إليه ذات يوم على عادتي ، وجلست بباب الخلوة لأستأذن عليه ، فسمعت قراءة شخص يقرأ عليه ، فأمسكت عن الاستئذان حتى فرغ من القراءة وأنا أظنّه بعض الطلبة ، فتنحنحت لما فرغ كي يعلم الشيخ مكاني . فقال لي الشيخ عند ذلك : أحضرت ؟ قلت : نعم . قال : سمعت الصّوت ؟ قلت : بلى . قال : ذاك رجل من الجانّ يقرأ عليّ القرآن ، ثم أذن لي فقرأت حزبي ، ثم سار إلى السّوق وأنا معه ، فأتى بعض التجّار ، وجلس على حانوته ، وقال له : هل بعت بالأمس ثوبا صفته كذا ؟ فقال التاجر : قد كان ذلك . قال : وأخبرت الذي اشتراه بأنّ شراءه عليك بزيادة عما اشتريته به عشرين درهما ؟ قال : فبهت عند ذلك التاجر وقال له الشيخ : أين ثمنه ؟ فمدّ التاجر يده وأخرج ورقة حمراء من داخل حانوته فيها دراهم ، فأمره الشيخ بوزنها ، فوزنها فإذا هي قد نقصت عشرين درهما مما كان يعهده بالأمس . قال : فأخرج الشيخ من جيبه ورقة حمراء فيها دراهم فرمى بها إلى التاجر وقال : زن هذه ، فوزنها فجاءت عشرين درهما سواء ، فقال له : خذها فإنها دراهمك بعينها ، وإياك والعود لما صنعت . ثم أقبل عليّ وقال لي : يا محمد ، إن الجنّي الذي سمعت قراءته علي أحضر إليّ هذه الورقة وفيها ما رأيت من الفضّة ، وأخبرني أنّ هذا التاجر باع ثوبا لرجل ، وأنّه أخبره ثمنه بزيادة عشرين درهما عما اشتراه به ، وأنّه أخذ العشرين الزّائدة ، وجعلها في قطعة من الورقة التي صرّ فيها التاجر الدراهم ، وأحضرها إلي ، وذكر لي أن اللّه عزّ وجلّ أباح لهم أن يأخذوا ما كان مثل ذلك من أموال الإنس التي لا يحلّ لهم أخذها . قال : وأخذ التاجر يتأمّل الورقة التي صرّ بها الدراهم بالأمس ، فإذا هي قد قطع منها قدر الصّرّة