المقريزي

99

المقفى الكبير

باب القلعة إلى الديوان ، وجيء بالرسل ، فسلّموا ، وقام ابن يونس فخطب خطبة بليغة وجيزة في معنى الصلح دعا فيها للسلطان ولغازان والأمراء ، وأخرج كتاب غازان مختوما . فلم يفتح ، وأخرج الرسل إلى مكانهم ولم يفتح الكتاب إلى ليلة الخميس ، وهو في قطع نصف البغداديّ مكتوب بالقلم المغلي ويتضمّن : أنّ عساكر مصر أتت في العام الماضي إلى أطراف بلاده وأفسدت ، فأنف من ذلك وقدم إلى الشام وهزم العساكر ، ثمّ عاد ولم يخرج إليه أحد . فرجع شفقة على الناس حتى لا تخرب البلاد ، وأنّه مستعدّ للحرب ، وداع إلى الصلح . فكتب الجواب [ 90 ب ] وجهّز [ ه ] مع الأمير شمس الدين محمد ابن التيتي ، والخطيب عماد الدين ابن السكّريّ ، والأمير حسام الدين أزدمر المجيريّ . [ الحملة ضدّ العربان بالصعيد ] ولمّا دخلت سنة إحدى وسبعمائة اشتدّ فساد العربان بالصعيد وكثر قطعهم الطريق وفرضوا على التجّار وأرباب المعايش بمدن الصعيد أموالا تجبى منهم ، ومنعوا الخراج ، وأقاموا لهم أمراء سمّوا بعضهم بيبرس وبعضهم سلّار ، ولبسوا السلاح وأخرجوا أهل السجون . فجمع القضاة والفقهاء واستفتوا فيهم ، فأفتوا بقتالهم وقتلهم . فأخذ الأمراء في الحركة لحربهم . وأوّل ما بدءوا به أخذ الطرق على العربان حتّى لا يمتنعوا بالجبال والمفازات . ورسم لناصر الدين محمد ابن الشيخيّ متولّي الجيزة ، وإلى والي أطفيح بمنع الكافّة من السفر إلى الصعيد في البرّ والبحر ، وهدّد أنّه متى ظهر أنّ أحدا من الناس سافر إلى الصعيد كانت روحه وأرواح الولاة قبالة ذلك . فاشتدّ الحرص على ما رسم به ، وأشيع بأنّ الحركة إلى بلاد الشام . وتعيّن للسفر عشرون أميرا من أمراء الألوف بمضافيهم ، وأن يكونوا أربعة أقسام : قسم يسير في برّ الغرب ، وقسم في برّ الشرق ، وقسم يركب النيل ، وقسم يتوجّه في الطريق السالكة ، وأن يخرج سنقر الأعسر في طائفة من الأمراء إلى جهة الواحات . وتأخّر عند السلطان أربعة من الأمراء ، وأنّ الذين يتوجّهون إلى الصعيد يضع كلّ منهم سيفه فيمن يراه من صغير وكبير ، وجليل وحقير ، ولا يترك شيخا ولا صبيّا ، وأن يوقع الحوط على سائر الأموال . وكان أمر الدولة حينئذ مضبوطا . فتمّ لهم ما قصدوه . وساروا من القاهرة للنصف من ربيع الأوّل ، وقد عميت الأخبار على العربان . فطرقوا بلاد الصعيد بغتة على حين غفلة من أهلها ، ووضعوا السيف من الجيزة بالبرّ الغربيّ ، ومن إطفيح بالبرّ الشرقيّ ، فلم يتركوا أحدا من العربان إلّا قتلوه ، وأخذوا ماله وسبوا حريمه ، فإذا ادّعى أنّه من الحضر امتحن بأن يقول : « دقيق » ، فإن عقد القاف « 1 » قتل . ووقع الرعب في قلوب العرب حتى طبّق الأمراء عليهم من كلّ ناحية فرّوا لها ، وأخرجوهم من خباياهم وقتلوهم بجانبي النيل من الجيزة وإطفيح إلى قوص . وعثروا بمن احتمى منهم بمغاور الجبال فدخنوا عليهم بالنار حتى هلكوا عن آخرهم . وأسر منهم ألف وستّمائة رجل لهم زراعات ، وأخذ من أموالهم ما لا ينحصر ، وتفرّقته الأيدي وصار للديوان منه [ 91 أ ] ستّة عشر ألف رأس من الغنم ، وثلاثة آلاف رأس من الخيل ، واثنا عشر ألف جمل ، وثمانية آلاف رأس من البقر ، سوى ما أرصد في معاصر قصب السكر ، ومن السلاح مائة وستّون حملا . وذلك

--> ( 1 ) في النجوم 8 / 153 : فإن قال بالكاف لغة العرب قتل ، وإن قال بالقاف المعهودة ، أطلق .