المقريزي
72
المقفى الكبير
غالبها حضر إليه من بلاد المغرب « 1 » . وصنّف كتاب « عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير » ، واختصر [ 68 أ ] ذلك وسمّاه كتاب « نور العيون في سيرة الأمين المأمون » ، وكتاب « تحسين « 2 » الإصابة في تفضيل الصحابة » ، وكتاب « النفح الشذيّ في شرح جامع الترمذيّ » - ولم يكمل ، وكتاب « بشرى اللبيب بذكرى الحبيب » ، وكتاب « منح المدح » ، وكتاب « المقامات العليّة في كرامات الصحابة المرضيّة » . وله شعر رقيق سهل التركيب منسجم الألفاظ عذب النظم ، وترسّل جيّد . وكان النظم عليه بلا كلفة يكاد لا يتكلّم إلّا بالوزن . وكتب بالخطّ المغربيّ طبقة كما كتب بالخطّ المشرقيّ طبقة . وتوفّي يوم السبت حادي عشر شعبان سنة أربع وثلاثين وسبعمائة بالقاهرة ، ودفن بالقرافة وكانت جنازته عظيمة الجمع . وأصابه مرّة في خدّه نزلة ورم منها ورما فاحشا ، واشتدّ به الألم فرأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في منامه وكأنّه يشكو إليه ذلك فمرّ بيده المقدّسة عليه فانفجر . واستيقظ فإذا بما في خدّه من الموادّ قد سال وزال ألمه . فنظم مجلّدة في مدح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم على حروف المعجم ، فجاء تسعا وعشرين قصيدة ، وتداول الناس كتابتها ، وهي التي سمّاها « بشرى اللبيب بذكرى الحبيب » . ومن شعره [ البسيط ] : فقري لمعروفك المعروف يغنيني * يا من أرجّيه والتقصير يرجيني إن أوبقتني الخطايا عن مدى شرف * نجا بإدراكه الناجون من دوني أو غضّ من أملي ما شان من عملي * فإنّ لي حسن ظنّ فيك يكفيني وقوله [ السريع ] : بادر إلى الخيرات واعمل بها * فإنّما المرء بأعماله لا بدّ أن يسأل عن جاهه * كأنّما يسأل عن ماله « 3 » وقوله [ الهزج ] : صرفت الناس عن بالي * فحبل ودادهم بالي وحبل اللّه معتصمي * به علّقت آمالي ومن يسل الورى طرّا * فإنّي ذلك السالي فلا وجهي لذي جاه * ولا ميلي لذي مال وذكر جامع السيرة الناصريّة أنه كان في ابتداء أمره مشغوفا بالشرب والمنادمة حتى كانت الأكابر لا يتمّ مجلس أنسهم إلّا به ، إلى أن ولي مشيخة الحديث فأقلع ، وبقي كثير من الناس تتّهمه أنّه على ما كان [ 68 ب ] عليه . فلمّا مرّت جنازته تحت القلعة ، كان السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون جالسا بالشبّاك والنشو بين يديه ، فاستعظم الجنازة وبعث يسأل عنها فلمّا قيل له : جنازة فتح الدين ابن سيّد الناس شيخ الحديث ، قال للنشو : « يا خوند ، هذا كان من أكثر الناس إدمانا لشرب الخمر » . فعند ما حضر القضاة من الغد للخدمة السلطانيّة بدار العدل قال السلطان لقاضي القضاة
--> ( 1 ) قال الصفديّ : من تونس ، وذكر منها عناوين . ( 2 ) في الوافي : تحصيل . ( 3 ) كأنّما تخمينيّة لانطماسها في الطرّة .