المقريزي

62

المقفى الكبير

وكان مكرما للعلماء والصالحين ، كثير الإيثار والصداقة والتواضع ، لطيف الأخلاق . وولي وزارة الصحبة في الأيّام الظاهريّة بيبرس مدّة وزارة جدّه الصاحب بهاء الدين . فلمّا مات أقرّ له ولأخيه نجم الدين محمد بمبلغ ستّين ألف دينار دينا . ثمّ إنّه ولي الوزارة بعد مقتل الأمير الوزير علم الدين سنجر الشجاعيّ في ابتداء أيّام [ 61 أ ] الملك الناصر محمد بن قلاوون ، ونيابة الأمير زين الدين كتبغا في يوم الاثنين رابع عشرين صفر سنة ثلاث وتسعين وستّمائة . وأقيم في نظر الدولة فخر الدين عمر ابن الخليليّ ، وتاج الدين عبد الرحمن ابن الشهوريّ فاشتغل عن أمور الدولة بتدبير أحواله ، وجمع ما عدم له عند مصادرة الشجاعيّ له ، واستردّ عدّة أملاك كانت قد خرجت عنه . وكانت الدولة حينئذ كثيرة الكلف . فكان ابن الخليلي يقلق لوقف الحال ، والوزير غير مكترث بذلك ولا يفكّر فيه ، بل يكون في أضيق خناق من تواتر الطلب وعدم الحاصل ، فيقول لابن الخليليّ بعد ما يعلّق دواة الوزارة : قم يا مولانا وخلّ عنك ما أنت فيه ! فقد عمل لنا ملوخيا وباذنجان مقليّ وأرز عزيزيّ ! نأكل ، ومن الساعة إلى ساعة أخرى فرج ! فينحصر ابن الخليليّ من هذا وتنحرف أخلاقه فيقول : يا مولانا الصاحب ، خف من اللّه ! نحن في أشدّ ما يكون من الطلب وقد عجزنا للعالمين عن راتب المماليك . وأنت تقول : قم نأكل ! كيف نأكل ؟ فينهض وهو يقول : إذا لم تأكل أنت أكلت أنا . وبقي الأمر على هذا إلى أن تسلطن كتبغا ، فشكا إليه ابن الخليليّ حاله ، فصرف ابن حنّا في يوم الجمعة العشرين من جمادى الأولى سنة أربع وتسعين بفخر الدين عمر ابن الخليليّ ، بعد ما أقامت الخيول السلطانيّة ثلاثة أيّام يؤخذ لها العلف من دكاكين العلّافين . وأحضرت تقاوي « 1 » النواحي المخلّدة بها لزرع الأراضي وأكلت . فعوّق بالقلعة أيّاما ليحمل ما قرّر عليه ، ثمّ أفرج عنه . وولي مرّة ثانية في [ . . . ] . وتوفّي ليلة السبت الخامس من شهر جمادى الأولى سنة سبع وسبعمائة ، ودفن بالقرافة . وكان مترفا يتناهى في المطاعم والمشارب والملابس والمناكح والمساكن . واشترى الآثار النبويّة « 2 » بستّين ألف درهم ، ووضعها بالرباط المعروف برباط الآثار خارج مدينة مصر ، بجوار [ بستان ] المعشوق . ورأى من العزّ والوجاهة والرئاسة ما لا رأى جدّه الصاحب بهاء الدين ، بحيث إنّ ابن الخليليّ لمّا لبس خلع الوزارة في بعض ولايته نزل من قلعة الجبل بالخلعة إلى عنده ، وجلس بين يديه وقبّل يده . فأحبّ ابن حنّا أن يجبر خاطره فأمر بعض خدمه بإحضار توقيع بمرتّب يختصّ بذلك الخادم . فلمّا أحضر التوقيع قال لابن الخليليّ : مولانا يعلّم [ 61 ب ] على هذا التوقيع ! فتناوله منه وقبّله وكتب عليه قدّامه ، فكان هذا من ابن حنّا بمنزلة الإجازة والإمضاء لوزارة ابن الخليليّ ، وعدّ هذا من ابن حنّا زيادة في مقدار ابن الخليليّ . ومن محاسنه أنّه شرط في تربته بالقرافة أنّ

--> ( 1 ) التقاوي ( ج تقوية ) المخلّدة هي مدّخرات الحبوب لبذرها في موسم الزراعة ( دهمان 234 ودوزي ) . ( 2 ) الوافي 1 / 218 : مرود ومخصف وقطعة من قصعة إلخ . . .