المقريزي
256
المقفى الكبير
برغبته في النظر ، وأنّه قد حبس نفسه على ذلك إلّا ما يشغله من صناعة الزجاج في كل خمسة أيّام من الشهر ، فيتقوّت بذلك الشهر كلّه . ثم أجرى عليه في الشهر ثلاثين درهما . وأمره المبرّد باطّراح كتب الكوفيّين ، ولم يزل ملازما له ، وآخذا عنه ، حتى برع من بين أصحابه ، فكان المبرّد لا يقرئ أحدا كتاب سيبويه حتى يقرأه على الزجّاج ويصحّح [ 227 أ ] « 1 » به كتابه ، فكان ذلك أوّل رئاسة الزجّاج . [ 226 ب ] وقال محمد بن درستويه : حدّثني الزجّاج قال : كنت أخرط الزجّاج ، فاشتهيت النحو ، فلزمت المبرّد لتعلّمه ، وكان لا يعلّم مجّانا ، ولا يعلّم بأجرة إلّا على قدرها ، فقال لي : أي شيء صناعتك ؟ فقلت : أخرط الزجاج ، وكسبي كلّ يوم درهم ودانقان ، أو درهم ونصف . وأريد أن تبالغ في تعليمي وأعطيك في كلّ يوم درهما ، وأشرط لك أنّي أعطيك إيّاه أبدا إلى أن يفرّق الموت بيننا ، استغنيت عن التعليم أو احتجت إليه . فلزمته ، وكنت أخدمه في أموره مع ذلك وأعطيه الدرهم ، فمضى في التعليم حتّى استقللت . فجاءه كتاب بعض بني مازن من الصراة يلتمسون معلّما نحويّا لأولادهم ، فقلت له : « أسمني لهم ! » فأسماني فرحت إليهم ، فكنت أعلّمهم وأنفذ إليه في كلّ شهر ثلاثين درهما ، وأتفقّده بعد ذلك بما أقدر عليه . ومضت على ذلك مدّة ، فطلب منه عبيد اللّه بن سليمان مؤدّبا لابنه القاسم ، فقال له : لا أعرف لك إلّا رجلا بالصّراة مع بني مازن . فكتب إليهم عبيد اللّه واستنزلهم عنّي فنزلوا له ، وأحضرني فأسلم القاسم إليّ . وكان ذلك سبب غنائي . وكنت أعطي المبرّد ذلك الدرهم في كلّ يوم إلى أن مات ، ولا أخليه من النفقة معه بحسب طاقتي « 2 » . ( قال ) : وقرأ المبرّد ثلث كتاب سيبويه على الجرميّ ، وتوفّي الجرميّ ، فابتدأ قراءته على المازنيّ « 3 » . وأنشد الحافظ أبو نصر الحسين بن عبد الواحد الشيرازيّ للمبرّد [ الطويل ] : يقول أناس إنّ مصرا بعيدة * وما بعدت مصر ، وفيها ابن طاهر وأبعد من مصر رجال تعدّهم * بحضرتنا ، معروفهم غير حاضر عن الخير موتى ما تبالي أزرتهم * على طمع أم زرت أهل المقابر وقال الخطيب عن أبي عبد اللّه المفجّع : كان المبرّد لعظم حفظه اللغة واتّساعه فيها يتّهم بالكذب ، فتواضعنا على مسألة لا أصل لها نسأله فيها لننظر كيف يجيب ، وكنّا قبل ذلك تمارينا في عروض بيت : أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا فقال بعضنا : « هو من البحر الفلاني » ، فقطّعناه وتردّد على أفواهنا من تقطيعه . فقلت له : - أيّدك اللّه - ما القبعض عند العرب ؟ فقال المبرّد : القطن ، يصدّق ذلك قول الشاعر [ الوافر ] : كأنّ سنامها حشي القبعضا فقلت لأصحابي : هو ذا ترون الجواب !
--> ( 1 ) في اللوحة 226 ب ورقة طيّارة تحمل هذا القسم من ترجمة الزجّاج ، وهي ملصقة أفقيّا على المخطوط . ( 2 ) تنتهي هنا الإضافة الطيّارة ويستأنف الكلام في 227 أ . ( 3 ) أبو عمر الجرمي ( ت 225 ) وأبو عثمان المازني ( ت 248 ) .