المقريزي
255
المقفى الكبير
في الإمتاع ، وهو من لم يأكل عنده أحد في عصرنا شيئا قطّ ، ولا رآه أحد يأكل أو يشرب ، ولقد كان - عفا اللّه عنه وعنّا - معه في المنزل من أقاربه سكّان ، فسألناهم عن خبره في مأكله ومشربه ، فذكروا أنّه كان إذا أراد الأكل دخل البيت ، وأخذ الماء معه ، وردّ الباب في وجهه ، أو طرح السّتر فلا يعلم أحد منهم بشيء من أمره . ( قال ) : لمّا قتل المتوكّل بسرّمنرأى رحل المبرّد إلى بغداد ، فقدم بلدا لا عهد له بأهله ، فاختلّ ، وأدركته الحاجة . فتوخّى شهود صلاة الجمعة ، فلمّا قضيت الصّلاة أقبل على بعض من حضره ، وسأله أن يفاتحه السؤال ليتسبّب له القول ، فلم يكن عند من حضره علم . فلمّا رأى ذلك رفع صوته ، وطفق يفسّر ، يوهم بذلك أنّه قد سئل ، فصارت حوله حلقة عظيمة ، وهو يصل في ذلك كلامه . فتشوّف ثعلب إلى الحلقة ، وكان [ 225 ب ] كثيرا ما يرد الجامع قوم خراسانيّون من ذوي النظر ، فيتكلّمون ويجتمع الناس حولهم ، فإذا بصر بهم ثعلب أرسل من تلاميذه من يفاتشهم ، فإذا انقطعوا عن الجواب انفضّ الناس عنهم ، فلمّا نظر ثعلب إلى من حول أبي العبّاس أمر إبراهيم بن السّريّ الزجّاج وابن الحائك « 1 » بالنهوض ، وقال لهما : فضّا الحلقة ! ونهض معهما من حضر من أصحابه ، فلمّا صاروا بين يديه قال له إبراهيم بن السريّ : أتأذن لي ، أعزّك اللّه ، في المفاتشة ؟ فقال المبرّد : سل عمّا أحببت . فسأله عن مسألة فأجابه فيها بجواب أقنعه ، فنظر الزّجّاج في وجوه أصحابه متعجّبا من تجويد المبرّد للجواب ، فلمّا انقضى ذلك قال له أبو العبّاس : أقنعت بالجواب ؟ فقال : نعم . قال : فإن قال لك قائل في جوابنا هذا : كذا ، ما أنت راجع إليه ؟ وجعل أبو العبّاس المبرّد يوهن جواب المسألة ويفسده ويعتل فيه ، فبقي الزجّاج سادرا لا يحير جوابا ، ثم قال : إن رأى الشيخ - أعزّه اللّه - أن يقول في ذلك ؟ فقال [ أبو العبّاس ] : فإنّ القول على نحو كذا . فصحّح الجواب الأوّل ، وأوهن ما كان أفسده به ، فبقي الزجّاج مبهوتا ، ثم قال في نفسه : قد يجوز أن يتقدّم له حفظ هذه المسألة واتّفاق القول فيها . ثم سأل مسألة ثانية ، ففعل المبرّد فيها بنحو فعله في المسألة الأولى ، حتى والى بين أربع عشرة مسألة ، يجيب عن كلّ واحدة منها بما يقنع ، ثم يفسد الجواب ، ثم يعود إلى تصحيح القول الأوّل . فلمّا رأى ذلك الزجّاج قال لأصحابه : عودوا إلى الشيخ ، فلست مفارقا هذا الرجل ، ولا بدّ لي من ملازمته والأخذ عنه . فعاتبه أصحابه وقالوا : تأخذ عن رجل مجهول لا تعرف اسمه ، وتدع من قد شهر علمه ، وانتشر في الآفاق ذكره ؟ فقال لهم : لست أقول بالذكر والخمول ، ولكنّي أقول بالعلم والنظر . ( قال ) : فلزم المبرّد ، وسأله عن حاله ، فأعلمه
--> - الأهتميّ المنقريّ فهو الخطيب الأديب المشهور ، أعلام النبلاء 6 / 226 ( 109 ) . ( 1 ) هو هارون بن الحائك الضرير ، أحد أعيان ثعلب ، انظر الزبيدي 151 ( 75 ) . وقصّة الزجاج مع ثعلب والمبرّد رواها المقريزيّ في ترجمته رقم 143 .