المقريزي
222
المقفى الكبير
والدين ، والهمّة الموقوفة على الترقّي إلى درجات المتّقين ، والعزائم الكفيلة بتسديد أحوال الكافّة أجمعين ، شيمة خصّه اللّه بفضيلتها ، وجبلّة أسعده بخلالها وشريف مزيّتها . واللّه سبحانه يجعل آراءه للتوفيق مقارنة ، وأنحاءه للميامن كافلة ضامنة ، من أمور المواريث ، وما أجراها عليها الحكّام الدارجون بتغاير نظرهم ، وقرّروه من تغييرها عمّا كان يعهد بتغلّب آرائهم ، وما دخل عليها منهم من الفساد ، والخروج بها عن المعهود والمعتاد : وهو أنّ كلّ خارج من الناس على اختلاف طبقاتهم وتباين مذاهبهم واعتقاداتهم ، يحمل ما يترك من موجوده على حكم مذهبه في حياته ، والمشهور من اعتقاده إلى حين وفاته . فيخلص لحرم ذوي التشيّع الوارثات جميع موروثهم ، وهو المنهج القويم لقول اللّه سبحانه : وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 75 ) [ الأنفال : 75 ] ، ويحمل من سواهنّ على مذهب مخلّفيهنّ ، ويشركهم بيت مال المسلمين في موجودهم ، ويحمل إليه جزء من أموالهم التي أحلّ اللّه لهنّ بعدهم ، عدولا عن محجّة الدولة ، وخروجا عمّا جاء به الصادقون الأئمّة الذين نزل في بيتهم الكتاب والحكمة ، فهم قرّاء القرآن ، وموضّحو غوامضه ومشكلاته بأوضح البيان ، وإليهم يسلّم المؤمنون ، وعلى هديهم وإرشادهم يعوّل الموفّقون . فلم يرض أمير المؤمنين الاستمرار في ذلك على قاعدة واهية الأصول ، بعيدة من التحقيق ، خالية من المحصول ، ولم ير إلّا العود فيه [ 197 أ ] إلى عادة آبائه المطهّرين ، وأسلافه العلماء المهديّين ، صلوات اللّه عليهم أجمعين . وخرج أمره إلى السيد الأجلّ المأمون بالإيعاز إلى القاضي ثقة الملك النائب « 1 » في الحكم عنه ، بتحذيره ، والأمر له بتحذير جميع النوّاب في الأحكام بالمعزّيّة القاهرة ومصر ، وسائر الأعمال دانيها وقاصيها ، قريبها ونائيها ، من الاستمرار على تلك السنّة المجدّدة ، ورفض تلك القوانين التي كانت معتمدة ، واستئناف العمل في ذلك بما يراه آباؤه الأئمّة المطهّرة ، وأسلافه الكرام البررة ، وإعادة جميع مواريث الناس على اختلاف طبقاتهم ومذاهبهم ، إلى المعهود من رأي الدولة فيها ، والإفراج عنها برمّتها إلى مستحقّيها ، من غير اعتراض عليهم في قليلها ولا كثيرها ، وأن يضربوا عمّا تقدّم صفحا ، ويطووا دونه كشحا ، منذ تاريخ هذا التوقيع ، وفيما يأتي بعده مستمرّا غير مستدرك لما فات ومضى ، ولا متعقّب لما ذهب حكمه وانقضى . وليوعز الأجلّ المأمون - عضد اللّه به الدين - بامتثال هذا المأمور و [ ال ] اعتماد على مضمون هذا المسطور ، وليحذّر كلّا من القضاة والنوّاب ، والمستخدمين في الباب ، وسائر الأعمال ، من اعتراض موجود أحد ممّن يسقط بالوفاة ، وله وارث بالغ رشيد ، حاضر أو غائب ، ذكرا كان أو أنثى ، من سائر الناس على اختلاف الأديان ، بشيء من التأوّلات ، أو تعقّب ورثته بنوع من أنواع التعقّبات ، إلّا ما أوجبته بينهم المحاكمات والقوانين الشرعيّات الواجبات ، نظرا في مصالح الكافّة ، ومدّا لجناح العاطفة عليهم والرأفة ، ومضاعفة للإنعام ، وإبانة عن شريف النظر إليهم والاهتمام . فأمّا من يموت حشريّا ، لا وارث له حاضر ولا غائب فموجوده لبيت المال بأجمعه على الأوضاع السليمة ، والقوانين المعلومة القويمة ، إلّا ما
--> ( 1 ) هو أبو بكر مسلّم الرسعنيّ قاضي القضاة ( حاشية بالهامش ) .