المقريزي
207
المقفى الكبير
حجامة احتجمها حتى مات يوم الخميس لثماني عشرة مضت من شهر ربيع الأوّل ، ودفن في قصره المعروف بالجوسق ، وصلّى عليه ابنه هارون الواثق . فكانت خلافته ثماني سنين وثمانية أشهر وثمانية أيّام - وقيل : وثلاثة أيّام - وعمره سبعا وأربعين سنة وسبعة أشهر وخمسة عشر يوما - وقيل غير ذلك . وهو المثمّن ، لأنّه الثامن من خلفاء بني العبّاس ، والثامن من ولد العبّاس . وولد في سنة ثمان وسبعين ومائة ، وولي ثماني سنين وثمانية أشهر وثمانية أيّام ، ومات عن ثمانية بنين وثماني بنات . وخلّف في بيت المال ثمانية آلاف ألف دينار ، وثمانية آلاف ألف درهم ، وثمانين ألف فرس ، وثمانية آلاف مملوك وثمانية آلاف جارية ، وبنى ثمانية قصور . وقيل : بلغت عدّة مماليكه ثمانية عشر ألف مملوك ، وعلّق له خمسون ألف مخلاة على فرس وبرذون وبغل . وكانت له ثمانية فتوح عظام : أسر بابك ، وفتح أنقرة ، وفتح عمّوريّة ، وقهر المحمّرة « 1 » مع غلبتهم على أكثر البلاد ، وأسره البوارج وهي مراكب الهند ، وكان فيها منهم عسكر عظيم قد غلبوا على ساحل فارس وعمان وناحية البصرة ، ثمّ إجلاؤه الزطّ عن البطائح وما كانوا غلبوا عليه فيما بين البصرة وواسط ، وكانوا خلقا عظيما ، وقتله جعفر بن مهر [ جش ] مقدّم الأكراد وكان ذا [ شوكة ] عظيمة قد قام فيما بين الموصل وأذربيجان وأرمينية وتغلّب على البلاد وبسط يده بالقتل ، ثمّ هزيمة الأفشين لتوفيل ملك الروم ، وهي من الهزائم المذكورة ، وقد قتل الأفشين بعد ذلك لمّا واطأ بابك : فإنّه كان مرّة معه ومرّة عليه . [ مدائح أبي تمّام فيه ] ومن مكارمه العظيمة أنّه لمّا فتح عمّوريّة قال فيه حبيب بن أوس الطائي الشاعر [ البسيط ] : يا يوم وقعة عمّوريّة انصرفت * عنك المنى حفّلا معسولة الحلب « 2 » لم تطلع الشمس فيه يوم ذاك على * بان بأهل ولم تغرب على غرب وكرّر إنشادها ثلاثة أيّام ، فقال له : كم تجلو علينا عجوزك ؟ قال : حتّى أستوفي مهرها ، يا أمير المؤمنين . فأمر له باثنين وسبعين ألف درهم ، عن كلّ بيت ألف درهم فضّة . ومن كرمه الخارج عن الحدّ أنه أقطع مدينة الموصل لحبيب المذكور ، وهذا شيء لم يتقدّمه إليه أحد . وكان أبيض أصهب اللحية طويلها مربوعا مشرب اللون . وكان أمّيّا لا يقرأ ولا يكتب . واتّفق أنّه مات غلام للمعتصم كان معه في الكتّاب يتعلّم معه ، فقال له أبوه هارون [ 185 ب ] الرشيد : يا محمد ، مات غلامك ؟ فقال : نعم يا سيّدي ، واستراح من الكتّاب ! فقال الرشيد : وإنّ الكتّاب ليبلغ منك هذا المبلغ ؟ دعوه إلى حيث انتهى ، لا تعلّموه شيئا . فلذلك كان أمّيّا ، كان يكتب كتاب [ ة ] ضعيف [ ة ] ويقرأ قراءة ضعيفة . ولمّا خرج ملك الروم وأوقع بمن أوقع كتب كتابا إلى المعتصم يتهدّده ، فأمر بجوابه . فلمّا قرئ عليه الجواب لم يرضه وقال للكاتب : اكتب : باسم اللّه الرحمن الرحيم ، أمّا بعد ، فقد قرأت كتابك وسمعت خطابك . والجواب ما ترى
--> ( 1 ) المحمّرة : هم الغالية من خرّميّة ومزدكيّة . . . ( النجوم ، 12 / 42 هامش 3 ) . ( 2 ) ديوان أبو تمام ، 1 / 46 .