المقريزي
201
المقفى الكبير
جاويذان حلّت فيه وأخذ يعيث ويفسد ، ويظهر مقالات المجوس ، ويصرّح بتناسخ الأرواح ، وأنّها تنتقل من حيوان إلى غيره ، وأباح نكاح الأمّ والبنت والأخت وكانت بينه وبين عساكر المأمون حروب عظيمة ، إلى أن بويع المعتصم . فوجّه إليه أبا سعيد محمّد بن يوسف ، وقتل في حروبه من أصحاب بابك وأسر عددا كبيرا ، فكانت هذه أوّل هزيمة على أصحاب بابك . ثمّ كانت الأخرى لمحمّد بن البعيث . وفي سنة عشرين دخل عجيف بالزطّ إلى بغداد ، بعد ما ضيّق عليهم وقاتلهم حتى خرجوا إليه بأمان [ 181 ب ] ، وعدّتهم اثنا عشر ألف مقاتل ، ولهم من النساء والصبيان خمسة عشر ألفا ، فعبّأهم في السفن على هيئتهم في الحرب ، معهم البوقات حتى دخل بهم على المعتصم يوم عاشوراء ، والمعتصم في سفينة ينظر إليهم ، فمرّوا به على تعبئتهم ، وهم ينفخون في البوقات ، فأقاموا في سفنهم ثلاثة أيّام . ثمّ نقلوا إلى عين زربة فأغارت الروم عليهم بعد ذلك ، فلم يفلت منهم أحد . وعقد المعتصم للأفشين ، واسمه خيذر بن كاوس الصغديّ ، ووجّهه إلى حرب بابك ، فسار إليه وقاتله . فقتل من أصحابه خلقا كثيرا . وفرّ بابك في نفر يسير إلى موقان ، ثمّ رحل إلى البذّ « 1 » . وأقام الأفشين معسكرا بموضعه . [ بناء سامرّا ] ثمّ خرج المعتصم إلى بناء سامرّا ، وسبب ذلك أنّه لمّا قدم بغداد منصرفه من طرسوس ، أقام بها سنة ثماني عشرة وتسع عشرة وعشرين ، وكان معه خلق من الأتراك ، فكان أولئك الأتراك العجم إذا ركبوا الدوابّ ركضوا فيصدمون الناس يمينا وشمالا ، فيثب عليهم الغوغاء فيقتلون بعضا وتذهب دماؤهم هدرا لا يقدرون على من فعل ذلك . فثقل ذلك على المعتصم وعزم على الخروج من بغداد فخرج إلى الشمّاسيّة ، وهو موضع كان المأمون يخرج إليه فيقيم به الأيّام والشهور . فقدّر أن يبني بها مدينة ، فضاقت عليه أرض ذلك الموضع ، وكره أيضا قربها من بغداد ، فمضى إلى البردان « 2 » ، بمشورة وزيره إذ ذاك ، الفضل بن مروان ، وذلك في سنة إحدى وعشرين ، فأقام به أيّاما وأحضر المهندسين ، ثم لم يرض الموضع فسار إلى باحمشا « 3 » ، من الجانب الشرقيّ من دجلة فقدّر هناك مدينة وطلب موضعا يحفر فيه نهرا فلم يجده ، فنفذ إلى المطيرة فأقام بها مدّة ، ثمّ مرّ إلى القاطول للنصف من ذي القعدة ، فقال : هذا أصلح المواضع . فسيّر النهر المعروف بالقاطول ، وبسط المدينة ، فابتدأ البناء وأقطع الكتّاب والقوّاد والناس وابتدأ حتّى ارتفع البناء وأحيطت الأسواق على القاطول وعلى دجلة . وسكن هو في بعض ما بني له ، وسكن بعض الناس أيضا . ثمّ قال : إنّ أرض القاطول غير طائلة ، إنّما هي حصى وأفهاد والبناء بها صعب جدّا ، وليس لأرضها سعة . ثمّ ركب متصيّدا فمرّ على موضع سرّ من رأى ، وهي صحراء من الأرض لا عمارة بها ولا أنيس فيها إلّا دير [ ا ] للنّصارى . فوقف بالدير وعلم من فيه من الرهبان به فأتوا إليه فقال : ما اسم هذا الموضع ؟ فقال بعض الرهبان : نجد في كتبنا المتقدّمة أنّ هذا موضع يسمّى [ 182 أ ] ، سرّ من رأى ، وأنّه كان
--> ( 1 ) الطبريّ 9 / 14 . ( 2 ) البردان : على أربعة فراسخ من بغداد ( مروج 4 / 351 ) . ( 3 ) الطبريّ 7 / 632 .