المقريزي
200
المقفى الكبير
سنّة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حتّى آخذ بها ! فقال له القاضي أحمد بن أبي دؤاد : ما تقول في قوله تعالى : إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا [ الزخرف : 3 ] ؟ قال أحمد : الجعل في القرآن على وجوه ، وههنا ليس معناه الخلق ، وإنّما معناه : أنزلنا بلسان العرب . قال اللّه تعالى : قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [ الزهر : 28 ] ، قال ابن عبّاس : غير مخلوق ، وقال تعالى : فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ [ الفيل : 5 ] . وطال الكلام بينه وبينهم في ذلك ، فلمّا لم يرجع إلى قولهم أنّ القرآن مخلوق ، أمر به فخلع « 1 » وسحب [ 181 أ ] ، وجيء بعقّافتين من خشب فأقيم بينهما فتخلّعت يداه ، ثمّ قال المعتصم للجلّادين : تقدّموا . فنظر إلى السياط : ائتوا بغيرها . ثمّ قال : تقدّموا . فقال لأحدهم : ائذه ! أوجع ، قطع اللّه يدك ! فتقدّم فضربه سوطين ثمّ تنحّى . فلم يزل يدعو واحدا بعد واحد فيضرب سوطين ثمّ يتنحّى ، ثمّ جاء وهم محدقون به فقال : ويحك ، يا أحمد ، ارحم نفسك ! أجبني حتى أطلق عنك بيدي ! فجعل بعضهم يقول : ويحك ، إمامك على رأسك - وجعل عجيف ينخسه بقائم سيفه ويقول : تريد أن تغلب هؤلاء كلّهم ! - وجعل إسحاق بن إبراهيم يقول : ويحك ، الخليفة على رأسك ! فقال بعضهم : يا أمير المؤمنين ، دمه في عنقي ! فرجع المعتصم فجلس على الكرسيّ ثمّ قال للجلّاد : ادنه ! شدّ ، قطع اللّه يدك ! - ثمّ لم يزل يدعو بجلّاد بعد آخر فيضربه سوطين ويتنحّى ، وهو يقول له : شدّ قطع اللّه يدك ! - ثمّ قام إليه ثانيا فجعل يقول : يا أحمد ، أجبني ! - فجعل عبد الرحمن بن إسحاق يقول لأحمد : من صنع بنفسه من أصحابك في هذا الأمر ما صنعت ؟ هذا يحيى بن معين ، وهذا أبو خيثمة ، وابن أبي إسرائيل - وعدّد من أجاب - والمعتصم يقول : ويحك ، أجبني ! - فجعل أحمد يقول نحوا ممّا كان يقوله لهم . فرجع المعتصم فجلس وقال للجلّاد : شدّ ، قطع اللّه يدك ! ( قال الإمام أحمد ) : فذهب عقلي وما عقلت إلّا وأنا في حجرة مطلق عنّي الأقياد - وكان يوم ضرب مقيّدا بأربعة أقياد . ثمّ وجّه المعتصم برجل يعالجه ، فنظر إليه فقال : واللّه لقد رأيت من ضرب ألف سوط ، ما رأيت ضربا أشدّ من هذا - ثمّ جاء بحديدة وسكّين ، فجعل يقطع اللحم بها ، وأحمد صابر بحمد اللّه . فلم يزل مسجونا من خلافة المعتصم وابنه الواثق هارون حتى أخرجه المتوكّل على اللّه أبو الفضل جعفر ابن المعتصم في [ . . . ] « 2 » [ فتنة بابك الخرّميّ ] وقدم إلى بغداد في جمادى الأولى إسحاق بن إبراهيم ، ومعه من أسرى بابك الخرّميّ خلق كثير بعد أن قتل منهم نحوا من مائة ألف ، سوى النساء والصّبيان . وكان من خبر بابك هذا أنّه تحرّك في الجاويذانيّة أصحاب جاويذان بن سهل صاحب البذّ سنة إحدى ومائتين « 3 » ، وادّعى أنّ روح
--> ( 1 ) نقل الصفدي المناظرة في الوافي 6 / 367 ( ترجمة ابن حنبل ) ، وفي ترتيب صفحات المقفّى هنا اضطراب ، فقد كتب أقسام من الترجمة على أوراق طيّارة ملصقة أفقيّا عن غير ترتيب . ( 2 ) كثير من تفاصيل المحنة ذكرت في ترجمة ابن حنبل الملحقة بالجزء الأوّل . ( 3 ) الطبريّ 8 / 556 .