المقريزي

198

المقفى الكبير

إلى البلاد الكتب : « من عبد اللّه المأمون أمير المؤمنين وأخيه الخليفة من بعده أبي إسحاق ابن هارون الرشيد » . وأوصى إلى أبي إسحاق بحضرة ابنه العبّاس وبحضرة الفقهاء والقضاة والقوّاد بوصيّة قد ذكرت في ترجمته « 1 » ، ثمّ دعا بأبي إسحاق بعد ساعة حين اشتدّ الوجع وأحسّ مجيء أمر اللّه ، فقال : يا أبا إسحاق ، عليك عهد اللّه وميثاقه ، وذمّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لتقومنّ بحقّ اللّه في عباده ، ولتؤثرنّ طاعة اللّه على معصيته ، إذا أنا نقلتها من غيرك إليك . [ وصيّة المأمون له بالرفق بالعلويّين ] قال : اللّهمّ نعم . قال : هؤلاء بنو عمّك ولد أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ، فأحسن محبّتهم وتجاوز عن مسيئهم واقبل من محسنهم ، ولا تغفل عن صلاتهم في كلّ سنة عند محلّها ، فإنّ حقوقهم تجب من جهات شتّى . اتّقوا اللّه ربّكم حقّ تقاته ولا تموتنّ إلّا وأنتم مسلمون . اتّقوا اللّه واعملوا له ، اتّقوا اللّه في أموركم كلّها . أستودعكم اللّه نفسي ، أستغفر اللّه ممّا سلف منّي ، إنّه كان غفّارا ، فإنّه ليعلم ندمي على ذنوبي ، فعليه توكّلت من عظيمها وإليه أنيب ، ولا قوّة إلّا باللّه العليّ العظيم ، حسبي اللّه ونعم الوكيل ، وصلّى على محمّد نبيّ الهدى . فلمّا مات المأمون ، حمله ابنه العبّاس وأخوه أبو إسحاق إلى طرسوس ، فصلّى عليه أبو إسحاق ودفناه بها . وكان قد بويع أبو إسحاق بعد موت أخيه عند ليلة الجمعة لثنتي عشرة بقيت من شهر رجب سنة ثماني عشرة ومائتين عند المغرب . وتلقّب بالمعتصم باللّه ، وهو أوّل خليفة أضيف إلى لقبه اسم اللّه تعالى . ومن العجب أنّ الرشيد كان أخرج المعتصم من الخلافة وحوّلها إلى الأمين والمأمون والمؤتمن ، فآلت الخلافة إلى المعتصم ، وجعل الخلفاء من ولده ، فلم يكن من أمسك أوّل خلافة قطّ « 2 » . فلمّا بويع له غضب الجند ونادوا باسم العبّاس ابن المأمون . فأرسل إليه المعتصم فأحضره فبايعه ، ثمّ خرج إلى الجند فقال « 3 » : ما هذا الحبّ البارد ؟ قد بايعت عمّي . - فسكتوا ، وأمر المعتصم بخراب ما كان [ 179 ب ] المأمون أمر ببنائه من طوانة « 4 » وحمل ما أطاق من السلاح والآلة التي بها ، وأحرق الباقي ، وأعاد الناس الذين جمعهم المأمون لغزو الروم ، وردّهم إلى بلادهم ، وانصرف إلى بغداد ، ومعه العبّاس ابن المأمون ، من غير بيعته - وقيل : يوم واحد وعشرين [ شهر ] رجب - فدخلها يوم السبت غرّة شهر رمضان ، وهو راكب على بغل كميت بسرج مكشوف وعليه قلنسوة لاطئة « 5 » ، وسيف بمعاليق حتى عبر الجسر ودخل الدار التي كان ينزلها المأمون ، وأحمد ابن أبي دؤاد يسايره ، وهو مقبل عليه ما يساير غيره . وصلّى أوّل جمعة من شهر رمضان بالرصافة . وجلس للناس قبل ذلك يوم الاثنين للمظالم . [ إسقاطه عرب مصر من العطاء ] وقدم كتابه على كيذر بمصر بعد بيعته بها يأمره بإسقاط من في الديوان من العرب وقطع العطاء عنهم . ففعل ذلك كيذر ، فخرج عند ذلك يحيى ابن الوزير الجرويّ في جمع من لخم وجذام ،

--> ( 1 ) ترجمة المأمون مرّت تحت رقم 1479 . ( 2 ) هنا أيضا كلام عسير القراءة . ( 3 ) الطبريّ 8 / 667 . ( 4 ) الطوانة : مدينة على فم الدرب ممّا يلي طرسوس ( مروج 4 / 339 ) . ( 5 ) لاطئة : لاصقة بالرأس .