المقريزي

173

المقفى الكبير

قال : في الطريق قوم من بني هلال يقطعو [ ن ] على الناس الطريق . وما أبالي على ما أؤخذ ، فإنّي كنت أمضي في خلق ، ولكن عرّفت بشيء . قال : إيش هو ؟ قال : يأخذو [ ن ] ما على الإنسان ويفسقو [ ن ] به ، قد عملوا هذا مع جماعة . فقال : أسألك يا أبا القاسم بما بيني وبينك إلّا بلّغت إلى أبي جعفر مسلّم وقلت له : الحاجة التي سألتك فيها ، أخّرها . فقال : أخاف أن لا يقبل منّي . فقام إلى أبي جعفر وقال له : تؤخّر ما سألتك أيّدك اللّه حتى أرى رأيي . فقال له : قد فرغنا ممّا رسمت وتقدّمنا إلى الطبّاخين بإصلاح ما يصلح لك . قال : جزيت خيرا وكفيت شرّا ، ولا عدمك أولياؤك ، وكبت أعداؤك ! وانضرف . فشكر مسلّم فعل التاجر [ 159 أ ] . وهجاه بعضهم فقال [ السريع ] : يفخر بالحبّ وإقناطه * والحبّ عندي فهو عار عليه من حبّ منكم أن يرى مشركا * فليتوخّ أن يرى سيبويه فقال آخر ينتصر له : لا حفظ اللّه ولا حاط من * قد قال هذا الشعر في سيبويه إذا قال عنه إنّه مشرك * لقد أتى زورا وإفكا عليه ما كان إلّا رجلا مؤمنا * وطالبا للعلم ساع إليه « 1 » ومرّ برجل وقد خرج من الحمّام فقال له : نفعك اللّه وأعقبك الصحّة ! فقال له : كذلك فعل اللّه بك . فقال الرجل : قال يوحنّا بن ماسويه : أفضل الحمّامات ما تقادم بناؤه ، وارتفع سماؤه ، وكثر ضياؤه ، وعذب ماؤه ، وقلّت خطاه . فقال سيبويه : وحضر غداؤه ! وركب الأستاذ كافور الإخشيديّ يوما لصلاة الجمعة في مواكبه فسمع صياحا فسأل عنه فقيل : سيبويه . فقال : « استروه عنّي بالدرق ! » وهو يصيح : « أبا المسك مدح القطّ خرى في الشعير ! لا أعتق اللّه منك قلامة ظفر ! » . ثمّ التفت إلى الناس فقال : حصلنا على خصيّ ، وصبيّ ، وامرأة لا تدري - يريد بالخصيّ كافورا ، وبالصبيّ عليّ بن الإخشيد ، وبالمرأة أمّه . وقال مرّة : حصلت الدنيا على أقطع وأقرع وأوقع « 2 » - يريد بالأقطع ابن بويه ، وبالأقرع ابن حمدان والأوقع كافور . وكان عند أبي جعفر مسلّم ذات يوم فجاءه خادمه سابور فسارّه بشيء فأصغى إليه وترك كلام سيبويه . فقام سيبويه ، فقال له مسلّم : إلى أين يا سيّدي ، يا أبا بكر ؟ فقال : لا تجالس من لا يرى مجالستك رفعة ، ولا تحدّثن من لا يرى حديثك متعة ، ولا تسألن من لا تأمن منعه ، ولا تأمرن من لا تأمن طوعه . فقال أبو جعفر مسلّم لرجل : الحقه ، وقل له : الحاجة تجيئك الساعة ، وإلّا قف في الطريق .

--> ( 1 ) هكذا : ساع عوض ساعيا . ( 2 ) الأوقع قراءة ظنيّة ولعلها الذليل الكئيب الفقير .