المقريزي
136
المقفى الكبير
وإن جاءنا من الشام عن مكحول قبلناه . ( قال سعيد ) : كان هؤلاء الأربعة علماء الناس في خلافة هشام . وقال الزبير بن أبي بكر : حدّثني إبراهيم بن المنذر عن عبد العزيز بن عمران أنّ عبد الملك بن مروان كتب إلى أهل المدينة يعاتبهم ، فوصل كتابه في طومارين « 1 » ، فقرئ الكتاب على الناس على المنبر . فلمّا فرغوا وافترق الناس ، اجتمع إلى سعيد بن المسيّب [ 128 ب ] جلساؤه ، فقال لهم سعيد : ما كان في كتابكم ؟ فإنّا نودّ أن نعرف الذي فيه . فجعل الرجل منهم يقول : فيه كذا ، والآخر يقول : فيه كذا أيضا . فلم يشف سعيد فيما سأل عنه . فقال لابن شهاب عنه فقال : أتحبّ يا أبا محمّد أن تسمع كلّ ما فيه ؟ قال : نعم . قال : فأمسك ! - فهذّه عليه واللّه هذّا « 2 » كأنّما هو في يده يقرؤه ، حتى أتى على آخره . ( قال ) : وقال ابن شهاب : ما استودعت قلبي شيئا قطّ فنسيته . وعن عبد العزيز بن محمد الدراورديّ : أوّل من دوّن العلم وكتبه ابن شهاب . وعن يونس بن يزيد : كان ابن شهاب إذا دخل رمضان ، فإنّما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام . وكان ابن شهاب أكرم الناس وأخيرهم . وعن عمرو بن دينار : ما رأيت أنصّ للحديث من ابن شهاب ، ولا رأيت أجود منه . ما كانت الدنانير والدراهم عنده إلّا بمنزلة البعر . وذكر ابن وهب عن مالك : قيل لابن شهاب : لو جلست إلى سارية تفتي الناس ؟ قال : إنّما يجلس هذا المجلس من زهد في الدنيا . وعن مطرّف : سمعت مالكا يقول : ما رأيت محدّثا فقيها إلّا واحدا . قلت : من هو ؟ قال : ابن شهاب . وعن يحيى بن سعيد القطّان : ما أحد أعلم بحديث المدنيّين من الزهريّ ، وبعد الزهريّ يحيى بن أبي كثير . وليس مرسل أصحّ من مرسل الزهريّ لأنّه حافظ . وعن ابن المبارك : حديث الزهريّ عندنا كأخذ باليد . ورأي الزهريّ أحبّ إليّ من حديث أبي حنيفة . وكان نقش خاتم الزهريّ : محمد يسأل اللّه العافية . وعن الليث : قلت لابن شهاب : يا أبا بكر ، لو وضعت للناس هذه الكتب ودوّنت وشرعت ؟ فقال : ما نشر أحد هذا العلم نشري ولا بذله بذلي ، قد كان ابن عمر لا يجترئ عليه أحد حتى يأتيه إنسان فيسأله ، وكنّا نجالس ابن المسيّب فلا نسأله حتّى يأتي إنسان فيسأله ، فيهيجه ذلك فيحدّث ، أو يبتدئ هو فيحدّث . وعن إبراهيم بن سعد : قلت لأبي : بم فاتكم الزهريّ ؟ فقال : كان يأتي المجالس من صدورها ، ولا يأتيها من خلفها ، ولا يبقى في المجلس شابّ إلّا سأله ، ولا كهل إلّا سأله . ثمّ يأتي الدار من دور الأنصار فلا يترك فيها شابّا ولا كهلا ولا عجوزا إلّا سألهم ، حتّى يحاول ربّات الحجال .
--> ( 1 ) الطومار والطوماردان : الوعاء للصحف ( دوزي ) . ( 2 ) هذّ الحديث : سرده .