المقريزي

116

المقفى الكبير

قصّته وقرأها على السلطان ، وكان قد بلغه الخبر ، فلم يجبه ، فأعاد العماد عرض القصّة وقراءتها مرّات في مجالس عدّة ، والسلطان لا يأمر فيها ولا ينهى . ففطن العماد وعلم أنّ الخبر قد اتّصل بالسلطان فأعاد عرض القصّة . فلمّا لم يجبه عنها قال : يا مولانا ، الطبق الذي أحضره صاحب هذه القصة باق إلى الآن لم أتصرّف فيه . فما كان ما ينقضي شغله أعدت عليه طبقه ! فضحك السلطان وعجب من دناءة نفسه وأمر بقضاء شغل الرجل . وكان شديد التهافت على أخذ الختوم الذهبيّة التي تجيء على كتب الفرنج ، فوصل منهم كتاب بغير حضوره ففتحه السلطان بيده ، وأخذ بعض الحاشية الختم ، فلمّا جاء العماد قيل له : اكتب جواب هذا الكتاب ! فقال : يكتب جوابه من أخذ الختم ! فعزّ قوله على السلطان وقال : قم اخرج الوقت ! ما هو محتاج إليك ! فأتى إلى الفاضل وعرّفه ما كان ، فقال له : رح إلى الخانكاه واقعد بها مع الفقراء والبس زيّهم . فإذا طلبك السلطان [ 102 أ ] قل : « أنا دخلت في أسر لا أخرج منه » . ثمّ لا تخرج حتّى يأتيك السلطان بنفسه مترضّيا . ثمّ لم يلبث الفاضل حتى أتته رسل السلطان في طلبه ، فلمّا أتاه شكا إليه العماد ، وقال له : اكتب جواب هذا الكتاب . فقال : واللّه ما أعرف ما أكتب فيه لأنّ العماد كان بصدد هذه الكتب فلا يعرفها سواه . ولم يزل يتلطّف بالسلطان حتى قال : اطلبه . - فبعث في طلبه فلم يحضر واعتذر . فعظّم الفاضل الأمر ، وكرّر الرسل في طلبه وهو لا يحضر . فقال الفاضل : أنا أروح خلفه وأتلطّف به ، فو اللّه هذا باب ما يسدّه سواه . ثمّ ذهب فأطال المكث ، وعاد إلى السلطان وقال : لقد حرصت به فلم يجب ، ورأيته مقبلا على ما دخل فيه إقبالا ما أظنّه بقي يخرج عنه . وما ضرّ السلطان لو زار الفقراء وترضّى عبده ؟ - ولم يزل به حتى أتاه وترضّاه . ومن شعره [ الطويل ] : وما هذه الأيّام إلّا صحائف * نسطّر فيها ثمّ نمحى ونمحق ولم أر في عمري كدائرة المنى * توسّعها الآمال والعمر ضيّق وقوله [ الخفيف ] : هي كتبي فليس تصلح من بع * دي لغير العطّار والإسكافي هي إمّا مزاود للعقاقي * ر وإمّا بطائن للخفاف وكان ذا قدرة على النظم والنثر . وشعره ألطف من نثره لأنّه أكثر من الجناس فيه ، وبالغ حتى صار كلامه كأنّه ضرب من الرقى والعزائم . ومن محاسن نثره : فلمّا أراد اللّه الساعة التي جلّاها لوقتها ، والآية التي لا أخت لها ، فتقول : هي أكبر من أختها ، أفضت الليلة إلى فجرها ، ووصلت الدنيا الحامل إلى تمام شهرها ، وجاءت بواحدها الذي تضاف إليه الأعداد ، ومالكها الذي له الأرض بساط ، والسماء خيمة ، والحبك أطناب ، والجبال أوتاد ، والشمس دينار والقطر دراهم ، والأفلام خدم ، والنجوم أولاد . ومن كلامه الذي أكثر فيه الجناس قوله : ورد الكتاب الكريم الأشرف الذي كرّم وشرّف ، وأسعد وأسعف ، وأجنى العزّ وأقطف ، وأوضح الجدّ وعرّف ، وقوّى العزم وصرّف ، وألهج بالحمد