المقريزي

109

المقفى الكبير

فأجابه الأمير قبجق نائب حماة بأنّي مع الأمير قراسنقر نائب حلب ، موافق له في كلّ ما يرى . وبعث قراسنقر نائب حلب جوابه يقول فيه بأنّي مملوك مولانا السلطان ويمتثل جميع ما يرسم به . وسأل أن يبعث إليه من المماليك من يوثق به . وأمّا الأمير بكتمر الجوكندار نائب صفد ، فلم يمكّن القاصد من الاجتماع به وطرده عنه . فبعث الملك الناصر مملوكه أيتمش المحمّديّ بملطّفين إلى الأمير قطلبوك المنصوريّ ، وإلى الأمير بكتمر الحساميّ الحاجب بدمشق . فنزل عند بعض مماليك قطلوبك مختفيا ، وأعلمه بما جاء فيه . فلمّا بلغ ذلك قطلوبك نفر منه وعزم على أخذه وإحضاره إلى الأمير آقوش الأفرم نائب الشام . فنجا أيتمش بنفسه ، وأتى ليلا بهادر آص وأعلمه بخبره وما عزم عليه قطلوبك من قبضه ، فأمّنه وأمره أن يبيت عنده ويحضر من الغد إلى موكب النائب ويتكلّم بما يختار من غير خوف . وتكفّل بمساعدته ، فبات عنده في أعزّ كرامة . وأركبه معه إلى الموكب فرسا من خيله . وكان قطلوبك [ 97 ب ] قد بادر وأعلم النائب بمجيء قاصد الملك الناصر إليه ، وأنّه هرب لخوفه منه . فقلق النائب من ذلك قلقا زائدا وألزم متولّي مدينة دمشق بإحضار قاصد الملك الناصر ، وإلّا كانت روحه عوضه . فقال بهادر آص : ما يحتاج إلى هذا : قد أتاني المذكور في الليل وعرّفني أنّ معه مشافهة لا يقولها إلّا لمولانا ملك الأمراء بحضرته ، وهذا هو - وأشار لأيتمش . فقام على قدميه وقال : السلطان الملك الناصر يسلّم عليكم . فلم يردّ أحد من الأمراء السلام ، إلّا نائب الشام وحده . ثمّ قال : يقول لكم الملك الناصر : ما منكم أحد إلّا وأكل من خبز الشهيد والده ، ومن خبزه . وما منكم إلّا من [ كثر ] إنعامه عليه . وأنتم تربية الشهيد والده مثلما ربّاه ، وإنّي قاصد الدخول إلى دمشق و [ أن ] أقيم فيها ، فإن كان فيكم من يقاتلني ويمنعني فعرّفوني . فلم يتمّ كلامه حتى بكى الكوكندي الزرّاق أحد الأمراء ، وصاح : وا ابن أستاذاه ! وا ابن أستاذاه ! يا مسكين ! - فبكى الأمراء بأجمعهم لبكائه ، فغضب النائب ، وأخرج الزرّاق وقال لأيتمش : قل له - يعني الملك الناصر - : كيف تجيء إلى الشام أو إلى غيرها ، تحسب أنّ الشام الآن تحت ملكك ؟ أنا لمّا أرسل الملك المظفّر إليّ لأحلف له أخّرت الحلف حتى بعثت إليه أقول له : يا خوند ، لا تخلّ ملكك ! - فأرسل يقول : أنا ما بقيت لي رغبة في السلطنة ، وكتب خطّه ، وأشهد عليه بنزوله عن الملك ، [ ف ] حلفت بعد هذا للمظفّر ، ثمّ يبعث الآن يقول : من يردّني عن الشام ؟ وأمر به ، فأخذ ووكّل به ، وانفضّ المجلس ، فلمّا كان الليل استدعاه وأعطاه خمسين دينارا ، وقال له : قل للسلطان : لا يرجع يذكر الخروج من الكرك . وأنا أبعث إلى الملك المظفّر بسبب ما طلبه منه « 1 » وأرجعه عنه - وترك أيتمش فعاد إلى الكرك . وبلغ أهل مصر حركة الملك الناصر ، فسار إليه الأمير نوغاي القبجاقيّ ، والأمير مغلطاي القازاني في ستّين مملوكا . فسرّ بهم سرورا كثيرا . ثمّ قدم عليه من المنصورية والأشرفيّة والأويراتيّة مائة وعشرون مملوكا بخيولهم وأسلحتهم . فقوي بأسه بهم . وبعث أيتمش المحمّدي إلى قبجق نائب حماة والي قراسنقر نائب حلب يدعوهما إلى القيام معه . فكتب إليه قراسنقر بالسمع والطاعة ، وأن

--> ( 1 ) أي استعادة المال والمماليك والخيل .