المقريزي
105
المقفى الكبير
عنده . واستمرّ الحال على هذا إلى العصر من الغد ، فبعث السلطان إلى الأمراء يسألهم عن سبب ركوبهم للحرب على باب الإسطبل ويقول : إن كان لكم غرض في الملك ، فما لي إليه تطلّع ، خذوه [ 94 ب ] وأعطوني أيّ موضع شئتم أسير إليه ! فدخل إليه بيبرس الدوادار ، وأيبك الخزندار ، وبرلغي الأشرفيّ ، فعتبهم طويلا على ما هو فيه ، وعلى ما تجدّد من حركة الركوب ، فاعتذروا إليه وقالوا : الأمراء قد تشوّشوا ممّن يحرّض عليهم عند السلطان . فأنكر أن يكون [ أحد من مماليكه ] نقل له عنهم شيئا ، أو عنده علم بما أوجب الحركة . فعادوا إلى الأمراء بجوابه ، وإذا بصيحة عظيمة ، والعامّة قد ثارت يدا واحدة تحت القلعة ، وحملوا بأجمعهم على الواقفين عند باب الإسطبل يريدون رجمهم ، وهم يصرخون : يا ناصر يا منصور ! فبعث إليهم بيبرس وسلّار بالأمير بتخاص المنصوريّ في طائفة كبيرة ليبطش بهم ، فعند ما أقبل عليهم تزايد صراخهم : يا ناصر يا منصور ، اللّه يخون من يخون ابن قلاوون ! - وحملوا عليه ورجموه بالحجارة . فجرّد هو ومن معه سيوفهم وحطّموا عليهم ، يريدون إتلافهم . فتلاحق به الأمراء الذين على باب الإسطبل ومنعوه من ذلك ، وألانوا الكلام مع العامّة وطيّبوا قلوبهم من جهة السلطان ، وما زالوا بهم حتى رجعوا وعاد بتخاص إلى القلعة . وتردّدت الرسل بين السلطان والأمراء إلى أن تقرّر إخراج من عنده من الخاصّكيّة إليهم بعد جهد وامتناع من السلطان ، وإفحاشهم عليه بأنّه إن لم يخرجهم وإلّا خرج إلى الكرك . فسلّمهم إلى برلغي ليقيموا عنده عشرة أيّام ويعيدهم إليه ، بعد ما حلف له على ذلك . فمضى بهم برلغي إلى بيبرس وسلّار : وهم بيبغا التركماني ، وأيدمر المرقبيّ ، وخاصّ ترك . فلمّا رآهم بيبرس أغلظ عليهم وهدّدهم بالقتل والحبس والعقوبة ، وأمر بهم ليقيّدوا فقام برلغي وآقوش قتّال السبع ويعقوبا الشهرزوريّ ونحوهم من أكابر الأمراء قياما تامّا حتى أخرجوهم إلى القدس بغير قيود ، ورتّب لهم ما يقوم بهم ، فساروا على البريد . ودخل بيبرس وسلّار وسائر الأمراء إلى السلطان فقبّلوا له الأرض ثم قبّلوا يده ، وتعاتبوا عتابا لطيفا . وخلع على بيبرس وسلّار ، واتّفقوا على ركوب السلطان إلى الجبل الأحمر وقبّة النصر خارج القاهرة لتطمين قلوب الرعيّة ، وخرجوا . فبات السلطان بشرّ ليلة ، من كثرة قلقه لأسفه على مفارقة مماليكه ، وقهره . ولم يتمالك نفسه إلى أن أصبح فركب بجميع العسكر إلى قبّة النصر . فرأى بكتمر الجوكندار وهو إلى جانب بيبرس الجاشنكير يحادثه ، فشقّ عليه ذلك . واستدعى بيبرس وسلّار [ 95 أ ] وبرلغي ، وقال : يا أمراء ، قد زال ما في نفسي منكم ، غير أنّه ما كان سبب هذه الفتنة غير هذا - وأشار إلى بكتمر الجوكندار . فأخذوا في استعطاف خاطره عليه فعجزوا فيه ، وحلف باللّه : لا جلس على كرسيّ السلطنة أبدا ما دام بكتمر بمصر - وصمّم . فاتّفقوا على إخراجه إلى قلعة الصبيبة منفيّا . فعند ما عاد السلطان إلى قلعة الجبل ، أخرج على البريد ، وذلك في نصف المحرّم ، وأقيم بدله أمير جندار بكتوت الفتّاح . فبعث الأمير آقوش الأفرم نائب الشام ينكر على بيبرس وسلّار إخراج خاصّكيّة السلطان من عنده ويهدّدهما أنّه يحضر بنفسه حتى يعيدهم إلى
--> - ه 4 ) : هو مكان بالطرف الجنوبيّ من القلعة . أمّا سمك فيسمّيه المقريزيّ في السلوك : سيف سمك أخو سلّار .