المقريزي
101
المقفى الكبير
ووقف في الميمنة من الأمراء الحسام لاجين أستادار ، ومبارز الدين سوار أمير شكار ، ويعقوبا الشهرزوري ، ومبارز الدين أوليا بن قرمان . ووقف في الجناح الأيمن الأمير قبجق بعساكر حماة والعربان . ووقف في الميسرة الأمير بدر الدين بكتاش الفخريّ أمير سلاح ، وقراسنقر نائب حلب بعساكرها ، وبتخاص نائب صفد بعساكرها ، وطغريل الإيغاني ، وبكتمر السلاحدار ، وبيبرس الدوادار بمضافيهم . [ وقعة شقحب ] فلمّا تهيّأت العساكر وكملت تعبئتها مشى السلطان والخليفة معا ، ومعهما القرّاء يتلون من القرآن الكريم ما يحثّ عزائم القوم على الثبات ويحرّضهم على الصدق في اللقاء ويشوّقهم إلى الجنّة ، وفي كلّ قبيل يقف السلطان والخليفة ، ويقول الخليفة : يا مجاهدون ، لا تنظروا لسلطانكم ، قاتلوا عن حريمكم وعن وليّ نبيّكم صلّى اللّه عليه وسلم ، فتذرف عند ذلك العيون بالدموع ويكثر النحيب حتى إنّ فيهم من يسقط عن فرسه لشدّة ما ينزل به من الخشوع . فتواعدوا جميعا على صدق اللقاء وتعاهدوا على الثبات إلى الممات . فلمّا تمّ ذلك عاد السلطان إلى موقفه ، ووقف الغلمان والأثقال صفّا واحدا من وراء العسكر ، ونودي فيهم : من خرج من العسكر عن المصافّ فاقتلوه ، ولكم فرسه وسلاحه ! - فلمّا تمّ هذا ، زحفت كراديس التتار كقطع الليل ، وذلك بعد الظهر [ 92 أ ] وأقبل قطلوشاه بمن معه من التوامين « 1 » وحمل بهم على الميمنة فثبتت له وقاتلته قتالا شديدا ، قتل فيه الحسام لاجين استادار ، وأوليا بن قرمان ، وسنقر الكافريّ . وأيدمر الشمسيّ القشّاش ، وآقوش الشمسيّ الحاجب ، والحسام عليّ بن باخل ، ونحو الألف فارس . فأدركهم الأمراء الذين في القلب وفي الميسرة ، وصرخ الأمير سلّار : هلك واللّه أهل الإسلام ! - وصرخ بيبرس في البرجيّة فأتوه ، وصدم بهم قطلوشاه ، وأبلى يومئذ بلاء عظيما هو وسلّار حتّى كشفوا التتار عن المسلمين ، فكان جوبان وقرمجي من طوامين التتار قد أدركا بولاي ، ومرّوا خلف المسلمين يقاتلونهم . فلمّا رأوا قطلوشاه وقد انكسر ، أتوه فوقفوا في وجه بيبرس وسلّار . فخرج إليهم الأمير أسندمر ، وقطلوبك ، وقبجق في المماليك السلطانيّة مددا لبيبرس وسلّار ، فقويا على قطلوشاه وهزماه . فمال التتر على الأمير برلغي ومزّقوه . واستمرّت الحرب بين بيبرس وسلّار وبين قطلوشاه ، وكلّ من الفريقين ثابت . هذا وقد انهزم من كان مع الأمراء المقتولين وركب التتار أقفيتهم يتبعونهم ، فظنّ الناس أنّها كسرة ، وأقبل السواد الأعظم على الخزائن السلطانيّة فكسروها ونهبوا ما فيها من الأموال ، وجفل النساء والأطفال الذين خرجوا من دمشق ، وحسر النساء عن وجوههنّ وأسبلن شعورهنّ ، وضجّ ذلك الجمع بالدعاء والتضرّع ، وقد كادت العقول أن تذهب لمشاهدة الهزيمة . فلم ير منظر أعظم هولا من تلك الحالة ، إلى أن كفّ كلّ من المسلمين والتتار عن القتال ، ومال قطلوشاه بمن معه إلى جبل بالقرب منه يقال له مانع خلاطه « 2 » وصعد عليه ، وفي نفسه أنّه انتصر وأنّ بولاي في أثر المنهزمين يطلبهم . فعند ما علا الجبل رأى السهل والوعر كلّه عساكر ، ورأى
--> ( 1 ) التوامين أو الطوامين : قال ناشر السلوك 1 / 933 : هي جمع تومان وطومان ، وهي القطعة من الجيش ذات عشرة آلاف ، ولم يذكرها دوزي . ( 2 ) أو رافع خلاطه ، ولم نجدهما ولم يذكرهما في السلوك .