المقريزي

9

المقفى الكبير

« الق يحيى والقني تلق رشدا » . وكانت أسرار القاضي أبي عبيد اللّه عنده . وكان أبو جعفر الطحاويّ قد نهض في أيّامه فكان يجلس بين يديه ويقول للخصوم وهو بين يديه : من مذهب القاضي ، أيّده اللّه ، كذا . . . ومن مذهبه كذا وكذا ، حاملا عنه وملقّنا له . - فأحسّ القاضي منه تيها واستظهارا فقال له : ما هذا الذي أنت فيه ؟ واللّه لو أرسلت قصبة في حارتك ، لقال الناس : هذه قصبة القاضي . فاسكن يا أبا جعفر ! وكان قويّ النفس والبيان ، فرأى يوما من أبي الجيش انكسارا ، فقال له : ما الخبر أيّها الأمير ؟ فشكا إليه ضيق الحال واستئثار الغلمان والقوّاد بالضياع . فخرج إليهم وهم في موضع من الدار - وهم فائق ، وبدر ، ولؤلؤ ، وقباوجي ، وكنجو ، ومحمد بن أبا ، وأحمد بن فجاة ، وسوّار بن مسهر ، وجماعة - فقال : ما هذا الذي يلقاه الأمير ؟ إنّي واللّه أشدّ السّيف والمنطقة وأحمل عنه - ووقفهم على أمور رضيها أبو الجيش وشكره عليها . وأراد أبو جعفر الطحاويّ مقاسمة عمّه في ريع كان بينهما ، فحكم له القاضي أبو عبيد اللّه بالقسم ، وأرسل إلى أبي جعفر بمال يستعين به في القسم . ووافق ذلك حضور إملاك في مجلس أبي الجيش ، فحضره أبو جعفر وقرأ الكتاب وعقد النكاح . ثمّ خرج خادم بصينيّة فيها مائة دينار وطيب . فقال : كمّ القاضي ! [ 6 أ ] فقال القاضي : كمّ أبي جعفر ! ثم خرج إلى الشهود وكانوا عشرة - بصينيّة لكلّ واحد ، والقاضي يقول : كمّ أبي جعفر ! ثمّ خرجت صينيّة أبي جعفر ، فانصرف أبو جعفر باثنتي عشرة صينيّة فيها ألف دينار ومائتا دينار ، سوى الطيب . ولم يزل أبو عبيد اللّه ينظر في القضاء وما أضيف إليه ، ويصطنع الناس والشهود وينفع من قصده ، إلى أن قتل أبو الجيش بدمشق ، ووصل تابوته إلى مصر . فصلّى عليه القاضي ، وولي ابنه جيش ، وأبو عبيد اللّه على حاله ، إلى أن خلع جيش بن خمارويه وخلع عليّ بن أحمد الماذرائيّ في الفتنة التي ثارت عند المنظر ، وكان القاضي راكبا يريد المنظر ، فبلغه الخبر ، فرجع إلى داره وأغلق أبوابه واستتر من عاشر جمادى الآخرة سنة ثمان وثمانين ومائتين مدّة عشر سنين . فانحرف الناس عن أصحابه وأغروا بهم محمد بن أبّا خليفة هارون بن جيش بن خمارويه بن أحمد بن طولون ، فاعتقل أبا جعفر الطحاويّ وطلبه بحساب الأوقاف ، وجماعة من خاصّة أبي عبيد ، ولم يتطلّب أحد أبا عبيد اللّه ، بل قنعوا منه بالجلوس في داره . واعتلّ مرّة مزيّنة ، وكان مقيما بمنزله ، فاحتاج إلى مزيّن فأدخل إليه مزيّن ، فلمّا فرغ قال له : أين منزلك ؟ - فذكره ، فأرسل إلى منزله وعياله من يقوم لهم بأمرهم ، وأقام المزيّن في داره ثلاث سنين خوفا من أن يخبر أنّه رآه ، فإنّه كان أظهر أنّه قد سار إلى العراق ، وكانت مدّة ولايته إلى أن استتر ستّ سنين وتسعة أشهر . وكان عليّ بن أحمد الماذرائيّ قد أودع عند أبي عبيد اللّه مالا جزيلا ، وأودع عند هارون بن عليّ العبّاسيّ مالا جزيلا . فلمّا قتل عليّ بن أحمد طلب ولده أبو بكر محمّد بن عليّ المال من أبي عبيد اللّه ، فدافعه وقال : أمرني أبوك أن أشتري لكم به ضياعا بالبصرة وأعمال العراق ، وقد اشتريت . فطلب من العبّاسيّ المال الذي عنده ، فقال : أرسل من يستلمه . - فوجد الأكياس قد عشّش