المقريزي

62

المقفى الكبير

مالك بن أنس ، وكتاب حديث أمّ زرع ، وكتاب ستر العورة ، وكتاب المحصول في علم الأصول ، وكتاب أعيان الأعيان [ . . . ] . وقال أبو القاسم ابن بشكوال : الإمام العالم الحافظ المستبحر ، ختام علماء الأندلس ، وآخر أئمّتها وحفّاظها . أخبرني أنّه دخل مع أبيه إلى المشرق مستهلّ ربيع الأوّل سنة خمس وثمانين وأربعمائة . وقدم إشبيلية بعلم كثير لم يدخله أحد قبله ممّن كانت له رحلة إلى المشرق . وكان من أهل التفنّن في العلوم والاستبحار فيها والجمع لها ، مقدّما في المعارف كلّها ، متصرّفا في أنواعها . فذّا « 1 » في جميعها ، حريصا على أدائها ونشرها ، ثاقب الذهن في تمييز الظواهر « 2 » فيها . ويجمع إلى ذلك كلّه آداب الأخلاق مع حسن المعاشرة ولين الكتف وكثرة الاحتمال وكبر النفس وحسن العهد وثبات الودّ . واستقضي ببلده فنفع اللّه به أهلها لصرامته وشدّته ونفوذ أحكامه . وكانت له في الظالمين سورة مرهوبة . ثمّ صرف عن القضاء وأقبل على نشر العلم وبثّه . وتوفّي بالعدوة ، ودفن بمدينة فاس في ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة . وقال ابن سعيد في كتاب المغرب : ذكره الحجاريّ في المسهب « 3 » ، فقال : طبّق الآفاق بفوائده ، وملأ الشام والعراق بأوابده . وهو إمام في الأصول والفروع وغير ذلك . ومن شعره ، وقد ركب مع أحد أمراء الملثّمين ، وكان ذلك الأمير صغيرا ، فهزّ عليه رميحا كان في يديه مداعبا ، فقال [ الطويل ] : يهزّ عليّ الرمح ظبي مهفهف * لعوب بألباب البريّة عابث ولو أنّه رمح إذن لاتّقيته * ولكنّه رمح وثان وثالث وقوله ، وقد دخل عليه غلام جميل الصورة في لباس خشن [ الرمل ] : لبس الصوف لكي أنكره * وأتانا شاحبا قد عبسا [ 56 أ ] قلت : إيه قد عرفناك ، وذا * جلّ سوء لا يعيب الفرسا كلّ شيء أنت فيه حسن * لا يبالي حسن ما لبسا وكان قد صحب المهديّ - يعني محمد بن تومرت - بالمشرق ، فأوصى عليه عبد المؤمن ، وكان مكرّما عنده . وحكي أنّه كتب كتابا فأشار عليه أحد من حضر أن يذرّ عليه نشارة ، فقال : قف ! - ثمّ فكّر ساعة ، وقال : اكتب [ الخفيف ] : لا تشنه بما تذرّ عليه * فكفاه هبوب هذا الهواء فكأنّ الذي تذرّ عليه * جدريّ بوجنة حسناء وما برح معظّما إلى أن تولّى خطّة القضاء ، فوافق ذلك أن احتاج سور إشبيليّة إلى بنيان جهة منه ، ولم يكن فيها مال متوفّر يفضل له . ففرض على الناس جلود ضحاياهم - وكان ذلك في عيد أضحى - فأحضروها كارهين . ثمّ اجتمعت العامّة [ العمياء ] « 4 » وثارت عليه وحصرته بداره وجعلت تصيح عليه : ردّ الجلود ، يا قاضي اليهود ! - إلى

--> ( 1 ) في الوفيات : نافذا . ( 2 ) في الوفيات : الصواب منها . ( 3 ) المسهب في أخبار أهل المغرب للحافظ عبد اللّه بن إبراهيم الحجاريّ ( ت 584 ) . ( 4 ) الزيادة من النفح .