المقريزي

28

المقفى الكبير

ولد ليلة الثلاثاء أوّل شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة - وقيل : سنة إحدى وعشرين ، والأوّل أصحّ ، لأنّه نقل بخطّه . رحل في طلب الحديث وطوّف بالأقطار ، ودخل ديار مصر والشام والجزيرة وخراسان والعراق وأذربيجان . وسمع الكثير ببلده وبمروروذ الشاهجان وبهراة وسجستان وبلخ وسرخس ونيسابور وكرمان ويزد وشيراز وكازرون وأصبهان ، وهمذان وزنجان ، وتبريز ، وبغداد ، والكوفة ، ومكّة ، والموصل ، وديار بكر ، وأقسرا من بلاد الروم ، ودمشق . وقدم مصر فسمع بها من أبي محمد عبد اللّه بن رفاعة بن غدير السعديّ ، وأبي محمد عبد اللّه بن برّي النحويّ ، وأبي الحسن ابن أبي عليّ بن إبراهيم المالكيّ ، وبتنيس من أبي السرايا غنائم بن عليّ بن عبد الملك الحميريّ ، وبالإسكندريّة من أبي الطاهر السلفيّ ، وأبي الطاهر إسماعيل بن مكيّ بن عوف الزهريّ . وسمع الكثير وكتب بخطّه ، وكان يكتب خطّا حسنا ، وحصّل الأصول والكتب النفيسة ، وجمع لنفسه معجما لشيوخه . وسكن دمشق إلى أن مات . وأوقف كتبه بدويرة السميساطيّ ، وكان من الفضلاء في كلّ فنّ ، في الفقه والحديث والأدب ، وله مصنّفات ، منها : شرح المقامات الحريريّة ، أحسن فيه . وكان شيخا ظريفا من أظرف المشايخ وأحسنهم هيئة وأجملهم لباسا . وحدّث باليسير في [ 20 أ ] بغداد ودمشق ومصر والإسكندريّة . قال أبو عبد اللّه محمد بن عبد الرحمن بن عليّ التجيبيّ : رحل من دمشق إلى الحافظ [ السلفيّ ] بالإسكندريّة مرّتين . وكانت له رحلة لقي فيها جماعة من الشيوخ المحدّثين فاستجازهم للملك الأجلّ نور الدين ، وكتب عن كلّ واحد منهم ما أمكنه ، وجعل ذلك مجموعا مؤلّفا ، ثمّ قدم عليه بدمشق وأهداه إليه ، فاستشار طلبة مجلسه في ذلك ، فذكروا له أنّ الإجازة عند العلماء بشرطها جائزة ، والتحديث بها سائغ ، ورغبوا إليه في أخذ ذلك المجموع عنه بإجازة المشايخ المذكورين . فقرئ عليه ذلك وأسند إليه وحمل عنه ، فسرّ به سرورا عظيما إذ جعله اللّه من رواة حديث رسوله صلّى اللّه عليه وسلم . وحظي بذلك عنده المسعوديّ ونال منه خيرا كثيرا وقال له : حاجتك ؟ فقال : كتاب إلى صلاح الدين بالبرّ والكرامة . وكتاب آخر إلى الحافظ السلفيّ ليقرّبني ويمكّنني من مسموعاته . فأجابه إلى ذلك ، وكتب له ، وخلع عليه ، وأعطاه عبيدا ودوابّ وأموالا . فقدم ديار مصر ، وصارت له بذلك وجاهة عند صلاح الدين وعند رؤساء مصر . ووصل بالكتاب إلى السّلفيّ فقرّبه وأدناه وأنزله بأحسن موضع بمدرسته ومكّنه من مسموعاته . وقال المنذريّ : سألت الحافظ أبا الحسن المقدسيّ عن المسعوديّ هذا ، فقلت : أكان يدلّس ؟ فقال : لو أراده ما أحسنه . وقال القفطيّ : كان ينزل بدار سعيد السعداء التي جعلت للصوفيّة بالقاهرة تجاه دار السلطان . وذكر القاضي الفاضل أنّه قدم في مستهلّ رجب سنة إحدى وثمانين وخمسمائة من دمشق إلى القاهرة [ 20 ب ] برسالة السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب إلى الملك المظفّر تقيّ الدين عمر ابن شاهنشاه بن أيّوب يأمره فيها بنبش أبي عبد اللّه محمد بن إبراهيم الكيزانيّ من قبره