المقريزي

24

المقفى الكبير

واجتمع بالسلطان ، فأقبل عليه إقبالا زائدا ، وتقدّم له بأن يخطب بجامع القلعة فخطب ، وصلّى بالسلطان فأعجب بخطبته . ثمّ إنّه بعد انقضاء الصلاة قبّل يد السلطان واعتذر أنّه من أثر السفر ولم يكن في ظنّه أن يخطب ويصلّي بالسلطان . فشكره على خطبته وسأله عن أحواله وما عليه من الديون . وكان نائب الشام قد كتب بالشكر والثناء عليه وأنّه اجتمع عليه بسبب مكارمه ديون عجز عن وفائها . فأخبر السلطان بأنّها تزيد على ثلاثين ألف درهم فرسم بوفائها عنه . ونزل من القلعة إلى خانقاه سعيد السعداء ، إلى يوم الجمعة ثالث عشر جمادى الآخرة ، [ ف ] - خلع عليه ، واستقرّ في قضاء القضاة بدمشق ، وسافر على البريد في يوم الاثنين رابع عشرينه . فوصل إلى دمشق في خامس شهر رجب . وأوفى السلطان عنه ما كان من الدّين ، وهو مبلغ ألف دينار ومائة وستّون دينارا . ودرّس بدمشق في الغزاليّة والعادليّة مع استمراره في خطابة جامع بني أميّة ، وهو ثالث من اجتمعت له الخطابة والقضاء بدمشق ، وهم : عماد الدين عبد الكريم بن عبد الصمد الحرستانيّ ، وبدر الدين محمد ابن جماعة ، والجلال محمد القزوينيّ المذكور . فلم يزل إلى أن استدعي من دمشق إلى [ 16 ب ] القاهرة ، فوافى والسلطان بسرياقوس يوم الجمعة ثالث عشرين شهر جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين وسبعمائة . فخطب بجامع خانقاه سرياقوس ، وصلّى بالسلطان الجمعة ، وبالغ السلطان في إكرامه . ثمّ صار مع السلطان إلى قلعة الجبل ، فخلع عليه وأركبه بغلة بزنّاري في جوخ « 1 » ، وفوّض إليه قضاء القضاة بديار مصر عوضا عن بدر الدين محمد ابن جماعة ، وأضيف إليه تدريس المدرسة الصالحيّة والمدرسة الناصريّة ، ومدرسة الشريف ابن ثعلب ، ودار الحديث الكامليّة ، وخطابة جامع القلعة ، شريكا لابن القسطلانيّ . واستقرّ ابنه بدر الدين محمد في خطابة جامع بني أميّة « 2 » . وتوجّه إلى دمشق فقام بالدروس حقّ القيام ، وباشر القضاء بحسن سياسة ومكارم جمّة . وبلغ من العزّ والوجاهة ما لا يوصف . وحجّ مع السلطان في سنة اثنتين وثلاثين ، ورتّب له ما يكفيه فوصله بجملة كبيرة . وكان إذا جلس في دار العدل لم يكن لأحد معه كلام ، ويذيّل على ما يكتبه السلطان بدار العدل ، وتخرج قصص كثيرة مقضيّة الشغل بوسيلته وشفاعته . وحصل لأهل الشام به رفق كثير ونجحت أمورهم ، وتيسّرت حوائجهم . وكان جميل المحاضرة حسن التلقّي لا يردّ سائلا يسأله ، فصيحا جميلا ، حلو العبارة مليح الصورة ، موطّأ الأكناف سمحا جوادا حليما جمّ الفضائل حادّ الذهن عارفا بالجدل جيّد البحث يمشي فيه على القواعد مع إنصاف وتأنّ ، وقوّة الذكاء والميل إلى الأدب وأهله ، وله فيه ذوق كثير [ 17 أ ] ويستحضر من مختاره قطعة كبيرة ، ويكتب الخطّ الحسن . وكان يتعصّب لناصح الدين الأرّجانيّ الشاعر « 3 » ، واختار شعره وسمّاه : الشذر المرجانيّ من شعر الأرّجانيّ . وما برح في قضاء القضاة حتّى صرف عنه في

--> - المملوكيّة 106 ) . ( 1 ) الزّنّاري : لحاف للفرس أو البغلة مفتوح على الصدر ويغطّي الظهر وذيل الدابّة ( دوزي ) ، والجوخ والمجوّخ بالجاخات : مخطّط بأشرطة ملوّنة للزينة ( الملابس - ( 2 ) البدر القزوينيّ تأتي ترجمته برقم 3120 ج 7 ، والإشارة إلى هذه وتلك مفقودة . ( 3 ) ناصح الدين أحمد بن محمد الأرّجاني ( ت 544 ) له ديوان مطبوع ، الأعلام 1 / 209 .