المقريزي
233
المقفى الكبير
مكانة ابن المرحّل وزادت وجاهته . ولمّا بلغ ابن تيميّة وفاته قال : أحسن اللّه عزاء المسلمين فيك يا صدر الدين ! - فإنّه كان فصيحا مناظرا لم يكن في الشافعيّة أحد يقوم بمناظرة ابن تيميّة غيره . وجرت بينهما مناظرات عديدة . وتخرّج به جماعة . وكان محظوظا من الناس . عاشر الأفرم نائب الشام واختصّ به اختصاصا زائدا ، ثمّ تمكّن بمصر من الملك المظفّر ، وحظي عنده . ثمّ خاف من الوزير فخر الدين عمر ابن الخليليّ لمّا همّ بالقبض عليه ورماه بمساعدة المظفّر بيبرس ، ففرّ من القاهرة ولحق بالملك الناصر محمد بن قلاوون ، فعفا عنه . وسار إلى دمشق بعد عود الناصر إلى السلطنة فعمل عليه في نيابة الأمير [ 189 ب ] قراسنقر ، فتوجّه إلى حلب وتصدّى للاشتغال بالعلم . فأقبل الحلبيّون عليه إقبالا زائدا ، ووصلوه في مدّة عشرة أشهر بما يزيد على أربعين ألف درهم . وتمكّن من الأمير أسندمر نائب حلب وأحبّه حبّا كثيرا . ولم يقع بينه وبين أحد من الأكابر إلّا وعاد من أحبّ الناس فيه . وكان حسن الشكل والبزّة ، حلو المجالسة ، طيّب المفاكهة ، كريما جوادا ، ينفق كلّ ما يتحصّل له على خلطائه بنفس ملوكيّة . فكان أهل المعروف يرون أنّ تلك الصدقات تدفع عنه السوء ، فلطالما دخل في مضايق فينجيه اللّه منها . وكان يتردّد على أهل الصلاح يلتمس بركة دعائهم . وتعرّض له مرّة فقير في ليلة عيد وقال له : شيء للّه ! فدفع له مائتي درهم لم يكن يملك غيرها ، فلامه الشهاب أحمد [ بن عبد الرحمن ] « 1 » العسجدي على ذلك ، فقال له : امض إلى كريم الدين الكبير ناظر الخاصّ وقل له : الشيخ يهنّئك بهذا العيد . فلمّا مضى إليه وهنّأه عن الشيخ أمر بألفي درهم للشيخ وثلاثمائة درهم له ، فعند ما أتاه بها ، قال : صدق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : الحسنة بعشر أمثالها : أعطينا مائتين ، بعث اللّه بألفين . وكان فيه ملل لمن يعاشره . وله من المصنّفات : كتاب الأشباه والنظائر ، في الفقه . كتاب الفرق بين الملك والنبيّ ، والشهيد والوليّ والعالم . وجمع موشّحاته وسمّاها « طراز الدار » . وشعره جيّد مليح إلى الغاية . وكان عارفا بالطبّ ، علما لا علاجا . قال عنه ابن تيميّة : ابن الوكيل لا يرضى لنفسه بأن يكون في شيء إلّا غاية . وكان إذا انقضى لعبه ولهوه تطهّر وصلّى وعفّر وجهه في التراب وبكى حتى تبلّل لحيته ، ويكثر الاستغفار ويسأل اللّه التوبة . فإذا عاد فعل هذا أيضا . ومن بديع شعره قوله [ البسيط ] : ليذهبوا في ملامي أيّة ذهبوا * في الخمر لا فضّة تبقى ولا ذهب والمال أجمل وجه فيه تنفقه * وجه جميل وراح في الدجى لهب لا تأسفنّ على مال تمزّقه * أيدي سقاة الطلا والخرّد العرب فما كسوا راحتي من راحها حللا * إلّا وعرّوا فؤادي الهمّ واستلبوا 5 راح بها راحتي في راحتي حصلت * فتمّ عجبي بها وازداد لي العجب أن ينبع الدرّ من حلو مذاقته * والتبر منسبك في الكأس منسكب
--> ( 1 ) الزيادة من الوافي 4 / 266 .