المقريزي
209
المقفى الكبير
فلمّا ثار الأمير بنطاش بمصر على الناصريّ ، وسجنه بالإسكندريّة ، وخرج بابن الأشرف لمحاربة برقوق ، وقد خرج من سجن الكرك وجمع الناس ، توجّه البدر معه على العادة ، وشهد وقعة شقحب ، وانهزم فيمن انهزم مع بنطاش إلى دمشق . وقبض الظاهر برقوق على الصالح وعاد إلى مصر واستولى على المملكة ثانيا فولّى علاء الدين علي بن عيسى الكركيّ كتابة السرّ عوضا عن البدر ابن فضل اللّه . فثقل على البدر مقامه بدمشق ورأى انحلال أمر بنطاش ، فكتب إلى السلطان مطالعة افتتحها بقوله [ البسيط ] : [ 171 ب ] يقبّل الأرض عبد بعد خدمتكم * قد مسّه ضرر ما مثله ضرر حصر وحبس وترسيم أقام به * وفرقة الأهل والأولاد ، والفكر لكنّه والورى مستبشرون بكم * يرجو بكم فرجا يأتي ، وينتظر والشغل يقضى لأنّ الناس قد ندموا * إذ عاينوا الجور من منطاش ينتشر جوزوا كما فرّطوا في حقّكم ورأوا * ظلما عظيما به الأكباد تنفطر واللّه إن جاءهم من بابكم أحد * قاموا لكم معه بالروح وانتصروا اللّه ينصركم طول المدى أبدا * يا من زمانهم من دهرنا غرر وسأل الإذن في الحضور فأجيب إليه . وما زال يتحيّل حتى خلص من يد منطاش وفرّ إلى مصر ، فقدم ، ومعه أخوه حمزة والجمال محمود القيصريّ ناظر الجيش ، والتاج عبد الرحيم ابن أبي شاكر ، ومحمد ابن الصاحب الموقّع ، في ثاني عشر رجب سنة ثنتين وتسعين . فلزم داره من غير أن يجتمع بالسلطان ، إلى أن توجّه السلطان إلى دمشق ، فأخرجه في ركابه ، فسار بغير وظيفة . فلمّا اشتدّ مرض الكركيّ ، استدعاه السلطان وأعاده إلى كتابة السرّ في أخريات شوّال سنة ثلاث وتسعين [ وسبعمائة ] ، فباشرها مرّة ثالثة على عادته . وقدم في ركاب السلطان إلى القاهرة ، واستمرّ إلى أن توجّه في خدمة السلطان إلى الشام . فمات بدمشق يوم الثلاثاء العشرين من شوّال سنة ستّ وتسعين وسبعمائة ، ودفن بسفح قاسيون في تربتهم عند جدّه وأهله ، ولم يبلغ الخمسين سنة . ومات بعده أخوه حمزة في أوّل المحرّم سنة سبع وتسعين . وكان من عظماء الدنيا مهابة وحرمة ، وحشمة ورئاسة ، ونفوذ كلمة ، وكثرة ترف وسيادة . وبسيادة بيته يضرب المثل . وبهم كان تجمّل الممالك والدّول . ولم ينجب من أولاده أحد ، فدرس بيته وانقطع بمصر والشام . ومن شعره ما كتبه عنوانا لجواب السلطان الملك الظاهر عن كتاب الطاغية تيمورلنك الوارد في سنة ستّ وتسعين وسبعمائة وعنوانه [ الطويل ] : سلام ، وإهداء السلام من البعد * دليل على حفظ المودّة والعهد وضمّنه كثيرا من الإرعاد والإبراق ، والتهديد والتهويل ، فافتتح البدر العنوان بقوله [ الطويل ] : طويل حياة المرء كاليوم في العدّ * فخيرته أن لا يزيد على الحدّ ولا بدّ من نقص لكلّ زيادة * لأنّ شديد البطش يقتصّ للعبد « 1 »
--> ( 1 ) قراءة العجز ظنّيّة .