المقريزي
203
المقفى الكبير
حتى يلتبس الإمهال بالإهمال على المغرور . نذكّره بأيّام اللّه ، فإنّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ « 1 » مِمَّا تَعُدُّونَ [ الحجّ : 47 ] ، ونحذّره صفقة من باع آخرته بدنياه ، فما أحد سواه مغبون ، عسى اللّه أن يرشده بهذا التذكار ، وينفعه وتأخذ هذه النصائح بحجزته عن النار ، فإنّي أخاف أن [ ي ] تردّى فيخرّ من ولّاه والعياذ باللّه معه ، والموجب لإصدارها ما تلمّحناه من الغفلة المستحكمة على القلوب ، ومن [ 168 أ ] تقاعد الهمم عن القيام بما يجب للربّ على المربوب ، ومن أنسهم بهذه الدار وهم يزعجون عنها ، وعلمهم بما بين أيديهم من عقبة كئود ، وهم لا يتخفّفون منها ، ولا سيّما القضاة الذين تحمّلوا أعباء الأمانة على كواهل ضعيفة ، وظهروا بصور كبار وهمم نحيفة . فو اللّه إنّ الأمر لعظيم ، وإنّ الخطب لجسيم ، ولا أرى أنّ مع ذلك أمنا ولا قرارا ، ولا راحة ، اللّهمّ إلّا رجل نبذ الآخرة ورا ( ء ) ه ، واتّخذ إلهه هواه « 2 » ، وقصر همّه وهمّته على حظّ نفسه ودنياه ، فغاية مطلبه حبّ الجاه « 3 » ، والرغبة في قلوب الناس ، وتحسين الزيّ والملبس ، والركبة والمجلس ، غير مستشعر خسّة حاله ، ولا ركاكة مقصده . وهذا لا كلام معه فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى [ الروم : 52 ] ، وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ [ فاطر : 22 ] ، فاتّق اللّه الذي يراك حين تقوم ، واقصر أملك عليه فالمحروم من فضله غير مرحوم . وما أنا وأنتم أيّها النفر إلّا كما قال حبيب العجميّ رضي اللّه عنه وقد قال له قائل : ليتنا لم نخلق ! - فقال : قد وقعتم فاحتالوا ! وإن خفي عليك بعض هذا الخطر ، وشغلتك الدنيا أن تقضي من معرفته الوطر ، فتأمّل قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « القضاة ثلاثة » ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلم مشفقا : « لا تؤمّرنّ على اثنين ولا تلينّ مال يتيم ، لا حول ولا قوّة إلّا باللّه العليّ العظيم » ! [ المتقارب ] : وما أنا والسير في متلف * يبرّح بالذّكر الضابط « 4 » ؟ هيهات ! جفّ القلم ، ونفذ أمر اللّه فلا رادّ لما حكم ، إيه ! ومن هنالك شمّ الناس من فم الصّدّيق رائحة الكبد المشويّ ، وقال الفاروق : « ليت أمّ عمر لم تلده ! » واستسلم عثمان وقال : « من أغمد سيفه فهو حرّ » . وقال عليّ ، والخزائن بين يديه مملوءة : « من يشتري منّي سيفي هذا ؟ ولو وجدت ما أشتري به رداء ما بعته ! » وقطع الخوف نياط عمر بن عبد العزيز فمات خشية العرض . وعلّق بعض السلف في بيته سوطا يؤدّب به نفسه إذا فتر . أفترى في ذلك سدى ، أم وضح أنّا نحن المقرّبون وهم البعداء ؟ وهذه أحوال لا تؤخذ من كتاب السلم والإجارة والجنايات ، نعم ، إنّما تنال بالخضوع والخشوع ، وبأن تظمأ وتجوع ، وتحمي عينيك الهجوع . وممّا يعينك على الأمر الذي دعوت إليه ، ويزوّدك في مسيرك إلى العرض عليه ، أن تجعل لك وقتا تعمّره بالتفكّر والتدبّر ، فإنّها تجعلها معدّة لجلاء قلبك فإنّه إن [ 168 ب ] استحكم صداه « 5 » صعب تلا فيه ، وأعرض عنه من [ هو ] بما فيه . واجعل أكثر همومك الاستعداد للمعاد ، والتأهّب لجواب الملك الجواد ، فإنّه يقول : فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [ الحجر : 92 ] . ومهما وجدت من همّتك قصورا ، أو
--> ( 1 ) حسنة في المخطوط ، والآية صحيحة في مسالك الأبصار المخطوط 5 / 321 . ( 2 ) اقتباس من سورة الجاثية 23 . ( 3 ) في المخطوط : حبّ الحياة . ( 4 ) البيت شاهد على المفعول معه ، وهو مع ذلك مرفوع السير في المسالك ، انظر جمل الزجاجيّ 309 . ( 5 ) هكذا في المخطوطين ، ولعلّها : صدؤه خفّفت للسجعة .