المقريزي
200
المقفى الكبير
فقال : بل عن خبر ، ولقد كنّا نخبر بقوص عن أخبارهم في وقعة عين جالوت منزلة منزلة في قدومهم وذهابهم . فجاء الخبر بعد أيّام بأنّ الوقعة كانت يوم الخميس رابع عشر رجب ، وانفصل الحال فيها بالنصر على التتار بعد العصر . ولمّا خرج الأمير علم الدين سنجر الدواداريّ مسافرا ، قال ابن دقيق العيد : ما بقي يرجع - فلم يرجع من سفره إلى مصر . ودعا على نور الدين [ . . . ] ابن الصاحب فخر الدين عمر بن عبد العزيز ابن الخليليّ لأمر آلمه به ، فمات في تلك المدّة . وكان الصاحب تاج الدين محمد ابن حنّا في نفسه منه . فبعث إليه بفقير ليسأله في شيء ممّا أوصى به ابن الأرسوفيّ وقال له : إن قال لك : « فرغت » ، قل له : لو كان فلان القوصيّ وفلانة دفعتوا « 1 » له ؟ فأتى إلى ابن دقيق العيد ، وذكر له ما رتّبه فيه الصاحب ، فرفسه بغل فمات في ساعته . وقال لابن القسريّ : نعيت [ 166 ب ] لي في هذا المجلس ثلاث مرّات . فمات بعد ثلاثة أيّام . [ صبره على المطالعة ] ( قال ) : وكان يسهر الليل ، وقرأ ليلة حتى بلغ قوله تعالى : فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ [ المؤمنون : 101 ] ، فما زال يكرّرها إلى مطلع الفجر . وكان له قدرة على المطالعة يومئذ : رأيت عيون الأدلّة لابن القصّار في نحو ثلاثين مجلّدة ، وعليها علامات له . وكذلك رأيت السنن الكبير للبيهقيّ ، في كلّ مجلّدة علامته . ولمّا ظهر الشرح الكبير للرافعيّ اشتراه بألف درهم ، وصار يصلّي الفرائض فقط ويشتغل بالمطالعة إلى أن أنهاه . وذكر عنده ، هو والغزالي ، في الفقه ، فقال : الرافعيّ في السماء . ويقال إنّه طالع كتب الفاضليّة عن آخرها ، وقال : ما خرجت من باب من أبواب الفقه ، واحتجت أن أعود إليه . ( قال ) : وأمّا نقده وتدقيقه فلا يوازى فيه . قال فيه صدر الدين ابن الوكيل ، وكان لا يحبّه ، ويتكلّم فيه : أمّا إذا نقل وحرّر فلا يوفيه أحد . وقال علاء الدين علي بن خطّاب الباجيّ : كان عالما صحيح الذهن . وحكى عنه غير واحد أنّه كان يملي شرح الإلمام من لفظه وحفظه . [ خفّة روحه ] ( قال ) : وكان مع ذلك خفيف الروح لطيفا ، على نسك وورع ودين منيع ، ينشد الشعر ، والموشّح ، والزجل ، والبلّيق ، والمواليا ، وكان وكان ، ويستحسن ذلك : دخل عليه فتح الدين محمد بن أحمد القليوبيّ ، فناوله ورقة وقال : اكتب من هذه نسخة . فأخذها القليوبيّ ، فوجد فيها بلّيقة أوّلها : كيف أقدر أتوب * ورأس أيري مثقوب ؟ وأنشد بلّيقة أوّلها : جلد العميرة بالرجاج ولا الزواج و [ هو ] يقول : بالزجاج يا فقيه ! وقال مجير الدين عمر ابن اللمطيّ : جئت إليه فقال : سمعت إنسانا ينشد خارج الكامليّة : بكيت ، قالوا : عاشق * سكتّ ، قالوا : قد سلا
--> ( 1 ) أي : دفعتم .