المقريزي
159
المقفى الكبير
قدم عليه ، وهما خلوان : تذكّر فعلتك يوم الدار ! فقال : أنشدك اللّه والرحم يا أمير المؤمنين ! فقال : والله ما ذكرتها ولا أذكرها لأحد . وكان محمد سمع مروان قال لعليّ رضي اللّه عنه يوم الدار : قطع الليلة أثرك . فأخذ محمد بحمائل سيف مروان ، فرجع عليّ ففرّق بينهما . ويقال : إنّ الحجّاج وجّه ابن الحنفيّة إلى عبد الملك وافدا . فأكرمه وبرّه ثمّ ردّه إلى المدينة ، وقال : فد إليّ في كلّ عام ! - وإنّ الحجّاج لم يشخصه معه . [ رواية الواقديّ للأحداث ] وقال محمد بن سعد عن الواقدي : أرسل ابن الزبير إلى ابن عبّاس وابن الحنفيّة أن بايعا ، فقالا : يجتمع الناس على رجل ثم نبايع . فإنّك في فتنة ، فغضب من ذلك . ولم يزل الأمر يغلظ بينه وبينهما حتّى خافاه خوفا شديدا ، وحبس ابن الحنفيّة في زمزم . فبعث إلى الكوفة يخبر بما هو فيه من ابن الزبير . فأخرج إليه المختار أربعة آلاف عليهم أبو عبد اللّه الجدليّ ، فصاروا إلى المسجد الحرام . فلمّا رأى ابن الزبير ذلك دخل منزله ، وقد كان أيضا ضيّق على ابن عبّاس ، فبعث إلى حطب فجعله على باب ابن عبّاس ، وحوّل مجلس ابن الحنفيّة من زمزم فمنعه ذلك الجيش ممّا أراد . وسار ابن الحنفيّة إلى الشعب فنزله . ثمّ إنّ ابن الزبير قوي على ابن الحنفيّة حين قتل المختار وغلب مصعب على الكوفة . فأخرج ابن عبّاس وابن الحنفيّة [ 131 ب ] عنه وقال : لا تجاوراني ولا تبايعاني ! فخرجا إلى الطائف ، فمرض ابن عبّاس ثمانية أيّام ، ثمّ توفّي بالطائف ، فصلّى عليه ابن الحنفيّة وكبّر عليه أربعا « 1 » ودفنه . وكان الذين تولّوا حمله ودفنه مع ابن الحنفيّة أصحابه الشيعة . وقال بعض الرواة : ومات ابن الحنفيّة بأيلة . - وذلك غلط . والثبت أنّ ابن الحنفيّة مات بالمدينة ، وله خمس وستّون سنة . وصلّى عليه أبان بن عثمان بن عفّان ، وهو والي المدينة ، وقال له أبو هاشم ابنه : نحن نعلم أنّ الإمام أولى بالصلاة ، ولولا ذلك ما قدّمناك . ويقال إنّ أبا هاشم أبى أن يصلّي على أبيه أبان ، فقال أبان : أنتم أولى بميّتكم ! - فصلّى عليه أبو هاشم . وروى الواقدي أنّ محمد بن الحنفيّة قال في سنة الجحاف « 2 » حين دخلت سنة إحدى وثمانين : هذه لي خمس وستّون سنة ، قد جاوزت سني أبي بسنتين - وتوفّي تلك السنة . ويقال : توفّي سنة اثنتين وثمانين . ودفن بالبقيع . ويروى أنّه لمّا كان من أمر ابن الحنفيّة ما كان تجمّع بالمدينة قوم من السودان ، غضبا له ، ومراغمة لابن الزبير . فرأى عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما غلاما له فيهم وهو شاهر سيفه ، يقال له رباح . قال رباح : واللّه إنّا خرجنا لنردّكم عن باطلكم إلى حقّنا - فبكى ابن عمر وقال : اللّهمّ إنّ هذا بذنوبنا .
--> ( 1 ) التكبير بأربع عند السنّة ، وهو بخمس عند الشيعة ، قال أبو تمّام ( 4 / 95 ) راثيا رجلا شيعيّا [ الطويل ] : وتكبيره خمسا عليه معالنا * وإن كان تكبير المصلّين أربع وانظر دعائم الإسلام للقاضي النعمان 1 / 236 في كتاب الجنائز . وانظر كذلك سجلّ الحاكم الفاطميّ عند ابن خلدون 4 / 60 ، وفي الخطط 2 / 287 . ( 2 ) الجحاف : مشكولة في المخطوط ، ولا ندري هل هي اصطلاح ؟