المقريزي

157

المقفى الكبير

سلطاني رجل لم يبايعني . فلك ألف ألف درهم أعجّل لك منها مائتي ألف درهم ولك السفن التي أرفأت « 1 » إليك من مصر - وكانت سفنا بعث بها إليه فيها أمتعة وأطعمة . فكتب إليه ابن الحنفيّة : قد قدمنا بلادك بإذنك إذ كان ذلك لك موافقا . وارتحلنا عنها إذ كنت لجوارنا كارها . [ رجوعه إلى مكّة ثمّ خروجه إلى الطائف ] وقدم ابن الحنفيّة مكّة فنزل الشعب . فبعث إليه ابن الزبير : ارتحل عن هذا الشعب ! فما أراك منتهبا عنه أو يشعّب اللّه لك ولأصحابك فيها أصنافا من العذاب . وكتب إلى مصعب بن الزبير أخيه يخبره بأسماء رؤساء أصحاب ابن الحنفيّة ويأمره أن يسيّر نساءهم من الكوفة . فسيّر نساء نفر [ 130 أ ] منهم . وكفّ ابن الزبير عن ابن الحنفيّة حتّى إذا حجّ الناس وكان يوم النّفر أرسل إليه : تنحّ عن هذا المنزل ، وانفر مع الناس . وإلّا فإنّي منازلك . فسأله معاذ بن هاني وغيره من أصحابه أن يأذن في مقارعته ، وقالوا : قد بدأك بالظلم واضطرّك وإيّانا إلى الامتناع . فقال له ابن مطيع : لا يغرّنّك قول هؤلاء ! فإنّهم قتلة أبيك وأخيك . فقال : نصبر لقضاء اللّه . اللّهمّ ألبس ابن الزبير لباس الذلّ والخوف . وسلّط عليه وعلى أشياعه وناصريه من يسومهم مثل الذي يسوم الناس ! اللّهمّ أبلسهم بخطيّته واجعل دائرة الشرّ عليه ! سيروا بنا على اسم اللّه إلى الطائف ! فقام ابن عبّاس رضي اللّه عنه فدخل على ابن الزبير رضي اللّه عنه فقال له : ما ينقضي عجبي من تنزّيك على بني عبد المطّلب ! تخرجهم من حرم اللّه وهم واللّه أولى به وأعظم نصيبا فيه منك . إنّ عواقب الظلم لتردّ إلى وبال . فقال ابن الزبير : ما منك أعجب ، ولكن من نفسي حين أدعك تنطق عندي ملء فيك . قال ابن عبّاس : واللّه ما نطقت عند أحد من الولاة أخسّ منك ! قد واللّه نطقت غلاما عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأبي بكر . ونطقت رجلا عند عمر ، وعثمان وعليّ رضي اللّه عنهما يرونني أحقّ من نطق فيستمع لرأيي وتقبل مشورتي . وكلّ هؤلاء خير منك ومن أبيك . فقال : واللّه لئن كنت لي ولأهل بيتي مبغضا ، لقد كتمت بغضك وبغض أهل بيتك مذ أربعين « 2 » سنة . فقال ابن عباس : ذلك واللّه أبلغ إلى جاعرتيك « 3 » . بغضي واللّه صرّك وآثمك « 4 » إذ دعاك إلى ترك الصلاة على النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم في خطبتك . فإذا عوتبت على ذلك قلت : إنّ له أهيل سوء ، فإذا صلّيت عليه تطاولت أعناقهم وسمت رؤوسهم . فقال ابن الزبير : اخرج عنّي ، ولا تقربني ! فقال : أنا أزهد فيك من أن أقربك . ولأخرجنّ عنك خروج من يذمّك ويقليك . فلحق بالطائف ، فلم يلبث إلّا يسيرا حتى توفّي . فصلّى عليه ابن الحنفيّة وكبّر أربعا « 5 » وضرب على قبره فسطاطا .

--> ( 1 ) أرفأت السفينة : دنت من الشطّ . ( 2 ) في المخطوط : مذ أربعون . ( 3 ) الجاعرتان : الإليتان . ( 4 ) آثمك : أوقعك في الإثم ، أمّا صرّك ، فلعلّها من الصرّة وهي الشدّة من الكرب . ( 5 ) لا خمسا كما يفعل الشيعة ، انظر أسفله ص 159 ه 1 .