المقريزي
153
المقفى الكبير
حالهم فأمرهم بالبيعة له فقالوا : نحن قوم من الكوفة اعتزلنا الناس حين اختلفوا ، وأتينا إلى هذا الحرم لئلّا نؤذي أحدا ولا نؤذى . فإذا اجتمعت الأمّة على رجل دخلنا معهم فيما دخلوا فيه وهذا مذهب صاحبنا ، ونحن معه عليه وله صحبناه . فوقع ابن الزبير حينئذ في ابن الحنفيّة وتنقّصه وقال : واللّه ما صاحبكم [ 127 أ ] بمرضيّ الدين ، ولا محمود الرأي ، ولا راجح العقل ، ولا لهذا الأمر بأهل ! فقام عبد اللّه بن هاني فقال : قد فهمت ما ذكرت به ابن عمّك من السوء . ونحن أعلم به وأطول معاشرة له منك . وأنت تقتل من لم يبايعك وتقول : واللّه ما أحبّ أنّ الأمّة بايعتني كلّها غير سعد مولى معاوية . فبعثت إليه فقتلته - وإنّما عرّض بابن الزبير لأنّه كان بعث إلى سعد فقتله - وكلّمه عبد اللّه بن هاني بكلام كبير . فقال : الهزوه وجئوا في قفاه « 1 » ! فقال : أتفعل هذا في حرم اللّه وأمنه وجوار بيته ؟ فقالوا له : لئن لم يضرّك إلّا تركنا بيعتك لا يضرّك شيء أبدا ولا يلحقك مكروه . ودعا ابن الزبير بعبد اللّه بن هاني فقال : أبي تضرب الأمثال ، وإيّاي تأتي بالمقاييس ؟ فقال : إني عذت بربّي ، وربّكم من كلّ متكبّر لا يؤمن بيوم الحساب ! فقال ابن الزبير : ادفعوهم عنّي ، لعنكم اللّه من عصابة ! فأتوا محمد بن الحنفيّة فأخبروه بما كان بينهم وبين ابن الزبير فجزاهم خيرا ، وعرض عليهم أن يعتزلوه فأبوا . وقالوا : نحن معك في اليسر والعسر ، والسهل والوعر ، لا نفارقك حتى يجعل اللّه لك فسحة وفرجا . وبايعوه على ذلك ، فقال لهم : إنّي بكم لمتأنّس كبير . وسأله بعضهم أن يرصدوا ابن الزبير فيقتلوه إذا خرج من الحرم ، فكره ذلك وقال : ما يسرّني أنّي قتلت حبشيّا مجدّعا ثمّ أجمع سلطان العرب كلّه . وقدّم على السبعة العشر الرجل من أبنائهم ثلاثة نفر : بشر بن سرح ، والطفيل بن أبي الطفيل عامر بن واثلة ، وبشر بن هاني بن قيس . فلمّا يئس ابن الزبير من بيعة ابن الحنفيّة وأصحابه ، وقد فسدت عليه الكوفة ، وغلب المختار بن أبي عبيد الثقفيّ عليها ، وأخرج ابن مطيع عامل ابن الزبير عنها ، ودعت الشيعة بها لابن الحنفيّة ، ثقل عليه مكان ابن الحنفيّة معه ، وخشي أن يتداعى الناس إلى الرضاء به [ 127 ب ] فحبسه وأهل بيته ومن كان معه من أصحابه أولئك بزمزم ، ومنع الناس منهم ، ووكّل بهم الحرس . ثمّ بعث إليهم : أعطي اللّه عهدا . لئن لم تبايعوني لأضربنّ أعناقكم أو لأحرّقنّكم بالنار ! وكان رسوله بذلك عمرو بن عروة بن الزبير . فقال له ابن الحنفيّة : قل لعمّك : لقد أصبحت جريئا على الدماء ، منتهكا للحرمة ، متلثلثا « 2 » في الفتنة . وقال له عدّة من السبعة العشر الرجل : إنّ هذا قد حصرنا بحيث ترى وخوّفنا بما تعلم . وو اللّه ما ينتظر إلّا أن يقدم علينا وقد ظهر بالكوفة من يدعو إلى بيعتك والطلب بدماء أهل بيتك . فالطف لبعثة رسل من قبلك يعلمونهم حالك وحال أهل بيتك . فقال : اختاروا منكم نفرا .
--> ( 1 ) لهزه ( وزن فتح ) : طعنه ولكزه ، ووجأه يوجؤه كذلك ، والقياس أن يقول : اوجئوه ، فعامل الفعل مثل ودع يدع . ( 2 ) تلثلث في الأمر وعليه : ألحّ وتردّد .