المقريزي

133

المقفى الكبير

يعمل فيه شمّ الدواء ، وتجيبه الطبيعة من غير احتياج إلى تعاطيه شربا . [ عاداته على المائدة ] وكان يصوم الدهر . فإذا غربت الشمس اشتغل بالوضوء ، وصلّى المغرب ، وتنفّل بعدها ، وتناول ماء يشربه ، ثمّ يركع ركوعا طويلا ، ويأكل بيده فاكهة رطبة ، ثمّ يركع ركوعا كثيرا إلى أن يصلّي العتمة ، ويركع بعدها أيضا . ثمّ توضع المائدة عليها من كلّ حارّ وبارد ، ولا تخلو قطّ من سمك وحلوى . فيتناول ما يشاء ، ثمّ يضطجع وينام حينا . ثمّ يقوم ويتوضّأ ، ويأكل من آخر الليل فاكهة يابسة وخشكنان « 1 » ثمّ ينام حتى ينتبه لصلاة الصبح ، فإذا صلّى ركب لي التربة لا يخلّ بذلك أبدا . وإذا كان مسافرا للحجّ ، وغربت الشمس ، عدل عن الطريق في قبّته ، ومعه جاريته ستّ الناس في قبّتها . وينزلان في مضرب قد أعدّ لذلك . ويتوضّأ ويفعل جميع ما تقدّم ذكره من الأكل والصلاة . وربّما اغتسل . ثمّ تدركه [ 110 أ ] القافلة الثلث الأوّل من الليل ، وهو في قبّته ، وجاريته في قبّتها يتحدّثان ، وخلفهما ابن فضّال العلويّ على نجيب يقرأ القرآن . فإذا رأى أهل القافلة ضوء المشاعل ، قالوا : هذا الشيخ قد جاء . وكان يصنع الخشكنان ويلبّس ظاهره بالسكّر ، ويحشوه بالسكّر واللوز ، ومنه شيء قد حشي مع السكّر واللوز بالدنانير ، ويفرّق ذلك على الأشراف سرّا ويقول لهم : احتفظوا بحشوه ! فيفطن الذي يأخذها لما رمز . وكان من أحسن الناس عشرة وأرضاهم خلقا ، وأجودهم حفاظا لا يذكر خمارويه إلّا قال : الأمير أبو الجيش رحمه اللّه ! وإذا ذكر ابنه قال : الأمير أبو موسى رحمه اللّه ! وإذا ذكر العبّاس بن الحسن قال : الوزير أبو أحمد رحمه اللّه ! وربّما قال : الشهيد ، ونحو ذلك ، في حقّ كلّ واحد . وما رؤي أغير منه . [ بذله الأموال لفداء المسلمين ] وخرج في سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة إلى ثغر الإسكندريّة بسبب الفداء في جمع كبير ، ومعه من الذهب والورق والثياب والطّيب والأطعمة ما يجلّ وصفه . وخرج معه عدّة من الأشراف والعلماء والوجوه ، فكان يفادي بالمسلم ويحضره إليه ويسأله عن بلده ، ثمّ يكسوه ويطعمه بمفرده ويطيّبه ويدفع إليه نفقة ، ثمّ يودّعه وينصرف . فلم يزل على هذا حتى فرغ الفداء ، فكان فداء مذكورا ، لم يقع بعده فداء مثله . وكان كثير التلاوة للقرآن الكريم ، لا يزال المصحف بين يديه ، سواء كان متصرّفا أو متعطّلا ، فلا يقصّر عن تلاوة الختمة في كلّ يوم . وكان كثير الصلاة طويل السجود ، لا يترك قيام الليل في حال من الأحوال ، فيقطع أكثر ليله مصليّا . وكان غاية في الكرم ورقّة القلب ، وله فيه أخبار كثيرة . وكان أوّلا يشرب ، ثمّ ترك الشارب ، وواصل الصيام . وأمر مرّة بشراء نوق للحجّ ، فأحضر وكيله كيسا وصبّ الدنانير بين يديه فصاح وقال : إيش هذا ؟ دنانير تصبّ بين يديّ ! ما عرفت قطّ إلّا التوقيع ! وهذا أمر لا يكون إلّا في الأسواق وعند التجّار . فاعتذر الوكيل ممّا فعل .

--> ( 1 ) في المخطوط : خشكنار . والخشكنان : خبزة من دقيق الحنطة وتحشى بالحلوى وتقلى ( المعجم الوسيط ) .