المقريزي
128
المقفى الكبير
وكان تكين أمير مصر يشيّعه إذا خرج ويتلقّاه إذا رجع . وكان يحمل إلى الحجاز في كلّ سنة جميع ما يحتاج إلى تفرقته هناك من الدنانير والدراهم والثياب والحلوى والطيب والحبوب ، ولا يترك من الأصناف صنفا حتى يحمله ، بحيث إنّه لا ينصرف من الحجاز إلّا وجميع من فيه أغنياء . ولقد قيل مرّة وهو بالمدينة النبويّة : « ما بات في هذه الليلة أحد بمكّة والمدينة وأعمالهما إلّا وهو شبعان من طعامك ! » فبكى وخرّ ساجدا . ووافى مرّة الوزير علي بن عيسى وهو بالمدينة النبويّة ، فمشى في خدمته ، وصاح أهل المدينة من الأشراف وغيرهم ، ودعوا له وقالوا : أنت أبو الدنانير ، وأبو الدراهم ، وأبو القمح ، وأبو الثياب ، وأبو الحلوى ، وأبو الخيرات ، أحياك اللّه وكبت عدوّك ! وهو يقول : ادعوا لسيّدنا الوزير ، أيّده اللّه ! فصاحوا : لا ، أنت ! ما نعرف سواك ! فضجر عليّ بن عيسى وقال : قد أغريتهم بي ! فقال : سبحان اللّه ! إنّما الدعاء لسيّدنا الوزير ، أيّده اللّه ! وكان طول السنة يرسل إلى الحجاز في البحر ، فلم يزل مواصلا للحجّ إلى سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة . فلمّا دخل أبو بكر محمد بن طغج الإخشيد إلى مصر انقطع حجّه واستتر منه ، فإنّه كان قد منعه من الدخول إلى مصر ونصب العساكر لقتاله وكانت عدّة العساكر التي جمعها لقتال الإخشيد ثلاثين ألفا ، قام بتدبيرهم منذ مات تكين أمير مصر في ربيع الأوّل سنة إحدى وعشرين [ وثلاثمائة ] . فلمّا مات تكين استوحش وخاف أن يحضر جنازته فأتاه عبد اللّه بن أحمد بن طباطبا « 1 » ، وقال له : رأيت فيما يرى النائم أنّ تكين يموت في يوم كذا ، وأنّ محمّد بن عليّ الماذرائيّ لا يصيبه شيء ، إلّا أنّه يعيش حياة نكدة . فمات تكين في ذلك اليوم بعينه ، وما زال به حتى ركب وحضر الجنازة . فلمّا وضعت ، وتقدّم القاسم بن عبد اللّه الشبيبي ليصلّي ، وكبّر أبو بكر من ورائه تكبيرتين ، قرأ أبو جعفر ابن المتّفق وزير تكين ، وهو إلى جانبه : إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ [ القصص : 20 ] . فقطع أبو بكر الصلاة ومضى . ولمّا شيّع الناس محمّد بن تكين وقد مضى بتابوت أبيه إلى القدس ، سعوا بينه وبين أبي بكر حتى وقعت فتن عظام ، وأحرقوا دوره ودور أهله وكثير من مجاوريه . واستتر وأخذ خليفته محمد بن عليّ الكرخيّ وجماعة من عمّاله . [ 107 أ ] وكتب أبو بكر محمد بن تكين إلى بغداد يسأل في إمارة مصر . وكتب أبو بكر الماذرائيّ أيضا يلتمس أميرا . فعاد إلى ابن تكين سجلّ بإمارة مصر . ورجع جواب أبي بكر الماذرائيّ بتفويض أمر مصر وردّ تدبيرها إليه ، وأن يولّي من يختار . وقدم بهذا الجواب أحمد بن كيغلغ ، فورد قبل قدوم ولاية ابن تكين . وورد كتاب من الحضرة على كلّ من ابن تكين وأبي بكر الماذرائيّ بوصيّة كلّ منهما بصاحبه . فظهر حينئذ أبو بكر الماذرائيّ من الاستتار ودبّر أمر البلد ، وصار ابن كيغلغ من تحت يده ، وجميع الجيش يغدون إليه ويروحون . فأنفق في الناس واصطنع قوما وقتل جماعة من أصحاب ابن تكين وأبيه . هذا وابن تكين بالقدس . فلمّا ورد عليه تقليد إمارة مصر سار إليها .
--> ( 1 ) عبد اللّه ابن طباطبا : له ترجمة في المقفّى ( رقم 1516 ) ، وكانت وفاته سنة 348 .