المقريزي

63

المقفى الكبير

إلى بغداد ، فسمع بها من الشيخ شهاب الدين أبي حفص عمر بن محمد السهرورديّ ، وأبي علي الحسن بن إسحاق الجواليقيّ ، وأبي حفص عمر بن كرم . وسمع بمكّة من أبي العبّاس أحمد بن عليّ القسطلانيّ ، وبحرّان من أبي العبّاس أحمد بن سلامة النجّار . وبحلب من أبي القاسم عبد الرحمن بن عبد اللّه بن علوان . وبالموصل من أبي حفص عمر بن أبي المحاسن بن معالي الموصليّ . وجمع له أبو العبّاس أحمد بن محمد الظاهريّ معجم شيوخه في عشرة أجزاء . وتفقّه على مذهب الإمام أحمد حتّى صار أوحد أهل زمانه في معرفة فقه الحنابلة ومسائل الخلاف . وقدم مصر بعد سنة أربعين وستّمائة واستوطنها ورأس بها في مذهب الإمام أحمد وصار شيخ الإقليم ، وتولّى تدريس المدرسة الصالحيّة النجميّة ، إلى أن اقتضى رأي الملك الظاهر ركن الدين بيبرس إقامة قضاة أربعة . فتقدّم إلى قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهّاب ابن بنت الأعزّ أن يستنيب عنه في الأحكام مدرّسي المدرسة الصالحيّة . فجلس صدر الدين سليمان بن عبد الحقّ الحنفيّ ، وشرف الدين عمر السبكيّ المالكيّ ، وشمس الدين محمد بن إبراهيم الحنبلي للحكم في أواخر ذي القعدة سنة ستّين وستّمائة . فاستمرّ الأمر على ذلك إلى تاسع عشر ذي الحجّة سنة ثلاث وستّين . فاستدعى السلطان القضاة الثلاثة وقرّرهم قضاة القضاة بديار مصر ، وفوّض لهم أن يولّوا في سائر أعمال الأمصار نوّابا ، وخلع عليهم وكتب لهم التقاليد ، فصار من حينئذ بديار مصر أربع [ ة ] قضاة . وكان الشيخ شمس الدين هذا أوّل من ولي من الحنابلة قضاء القضاة بالقاهرة . وأضيف إليه مشيخة الخانقاه الصلاحيّة سعيد السعداء . فباشر ذلك إلى أن كانت سنة سبعين وستّمائة ، [ ف ] امتحن محنة كبيرة : وذلك أنّ القضاة الثلاثة كانت تستنيب في أعمال مصر كما هو الحال اليوم في قاضي القضاة الشافعيّ ، فاستناب عنه بالمحلّة أخا تقيّ الدين شبيب الحرّانيّ ، ثمّ عزله . فحنق أخوه شبيب وكتب قصّة للملك الظاهر تتضمّن أنّ قاضي القضاة شمس الدين الحنبليّ عنده من ودائع للتّجار من أهل بغداد وحرّان والشام وغيرهم جملة كثيرة ، وقد مات [ 51 ب ] أهلها واستولى عليها . فاستدعاه السلطان وذكر له ذلك ، فأنكر . فألزمه اليمين ، فحلف ، وتأوّل في يمينه . فأمر السلطان عدّة من خواصّه ، فنزلوا إلى داره ودخلوها مهاجمة على حين غفلة ، فوجدوا فيها كثيرا ممّا اتّهم به وحلف عليه ، فحمل ذلك وكشف عنه ، فوجد فيه من قد مات أربابه ، وفيه من أربابه في الحياة . فسلّم لمن هو حيّ ماله بعد ما أخذت منه الزكاة على سنين عديدة . وغضب السلطان على القاضي واعتقله وأوقع الحوطة على داره . وتوجّه إلى البلاد الشاميّة ، فتسلّط شبيب عليه وادّعى أنه حشويّ وأنّه يقدح في الدولة ، وكتب بذلك محضرا كتب فيه جماعة وأوقف عليه الأمير بدر الدين بيلبك الخازندار نائب السلطنة . فعقد له مجلس في يوم الاثنين حادي عشر شعبان سنة سبعين ، وحضر الشهود . فارتاب منهم النائب وتبيّن له من شبيب كثرة التحامل على القاضي والمبالغة في الإساءة إليه والقدح عليه . فنكّل بالشهود وجرّس « 1 » بعضهم واعتقل شبيبا وأوقع الحوطة على موجوده . وأعاد القاضي إلى اعتقاله بقلعة الجبل .

--> ( 1 ) جرّس به : ندّد به وطوّف به في المدينة وفي عنقه جرس ( دوزي ) .