المقريزي
392
المقفى الكبير
وأوّل من سمعت منه الفقيه نصر المقدسيّ ، كتبت عنه إملاء . ( وقال ) : بلت الدم في طلب الحديث مرّتين : مرّة ببغداد ، ومرّة بمكّة . وذلك أنّي كنت أمشي حافيا في حرّ الهواجر بهما فلحقني ذلك ، وما ركبت قطّ دابّة في طلب الحديث . وكنت أحمل كتبي على ظهري إلى أن استوطنت البلاد . وما سألت في حال طلبي أحدا وكنت أعيش على ما يأتي من غير سؤال . وقال عبد اللّه بن محمّد الأنصاريّ الهرويّ : ينبغي لصاحب الحديث أن يكون سريع النسخ سريع المشي ، وقد رزق اللّه تعالى هذه الخصال هذا الشابّ - وأشار إلى محمّد بن طاهر المقدسي وكان قاعدا بين يديه . وكان ابن طاهر مرّة بالمدينة فقال : لا أعلم أحدا أعلم بنسب هذا السيّد ، وأشار إلى قبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وآثاره وأحواله ، منّي . وقال السمعانيّ : سمعت بعض المشايخ يقول : كان محمّد بن طاهر يمشي في ليلة واحدة قريبا من سبعة عشر فرسخا ، وكان يمشي على الدوام بالليل والنهار عشرين فرسخا ، وكان داوديّ المذهب . وسئل عن مذهبه ، فقال : اخترت مذهب داود . وقال شيرويه بن شهردار الديلميّ في تاريخ همذان : محمّد بن طاهر المقدسي : سكن همذان وبنى بها دارا ، ودخل الشام والحجاز ومصر والعراق وخراسان وكتب عن عامّة مشايخ الوقت وروى عنهم . وكان ثقة صدوقا حافظا عالما بالصحيح والسقيم حسن المعرفة بالرجال والمتون كثير التصانيف جيّد الخطّ لازما للأثر بعيدا من الفضول والتعصّب خفيف الروح قويّ السير في السفر كثير الحجّ والعمرة . مات ببغداد منصرفا من الحجّ في شهر ربيع الآخر سنة سبع وخمسمائة . وقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر عن أبي القاسم إسماعيل بن محمّد بن الفضل الحافظ أنّه قال : أحفظ من رأيت محمّد بن طاهر . وقال يحيى بن عبد الوهاب بن مندة : محمّد بن طاهر أحد الحفّاظ ، حسن الاعتقاد ، جميل الطريقة ، كان صدوقا عالما بالصحيح والسقيم ، كثير التصانيف لازما للأثر . وقال ابن النجّار : كان حافظا متقنا سريع القلم حسن التصنيف ذكيّ النفس حادّ الخاطر جيّد القريحة . وقال السلفيّ : سمعت الحافظ أبا [ 284 أ ] الفضل محمّد بن طاهر المقدسي يقول : كتبت صحيح البخاريّ ومسلم وأبي داود سبع مرّات بالوراقة وكتبت سنن ابن ماجة عشر مرّات بالوراقة سوى التفاريق بالريّ . ( وقال ابن طاهر ) : رحلت من طوس إلى أصبهان لأجل حديث أبي زرعة الرازيّ الذي أخرجه مسلم في الصحيح ، ذاكراني به بعض الرجّالة بالليل ، فلمّا أصبحت شددت على رحلي وخرجت إلى أصبهان ، ولم أحلل عنّي حتّى دخلت على الشيخ أبي عمرو ، فقرأته عليه عن أبيه عن أبي بكر القطّان عن أبي زرعة . ودفع إليّ ثلاثة أرغفة وكمثّراتين وما كان وقع إليّ تلك الليلة قوتي ، ولم يكن لي قوت غيره . ثمّ لزمته إلى أن حصل ما كنت أريد ثمّ خرجت إلى بغداد . فلمّا عدت كان توفّي رحمه اللّه . ( وقال ) : كنت أقرأ يوما على أبي إسحاق الحبّال جزءا ، فجاءني رجل من أهل بلدي وأسرّ إليّ كلاما قال فيه : إنّ أخاك قد وصل من الشام ، وذلك بعد دخول الأتراك بيت المقدّس وقتل الناس بها . فأخذت في القراءة ، فاختلطت ولم يمكنّي أن أقرأ . فقال أبو إسحاق : ما لك ؟ قلت : خير .