المقريزي

383

المقفى الكبير

يتكلّم بعدّة ألسن . سافر إلى العراق ، واجتمع بياقوت المجوّد « 1 » . واتّهم في دينه : قيل إنّه وضع الخمر في الدواة وكتب بها المصحف الكريم . واتّصل بخدمة الملك المظفّر ركن الدين بيبرس الجاشنكير ، وكتب له ختمة في سبعة أجزاء بليقة ذهبيّة « 2 » في قطع البغداديّ أعطاه لها برسم الليقة لا غير ألفا وأربعمائة دينار . فدخل في الختمة ستّمائة دينار وأخذ الباقي . فقيل له في ذلك فقال : متى يعود آخر مثل هذا يكتب مثل هذه الختمة ؟ وأخذ منه جملة في أجرة نسخها ، وجعله في ديوان الإنشاء فما أنجب . وكانت الكتب التي تدفع إليه ليكتبها في الديوان بأشغال الناس تبيت عنده وما تنجز . وعدّ هذا تعجيزا من اللّه له ، فإنّه كان كاتبا عظيما ، كتب الأقلام السبعة طبقة ، ولم يكتب أحد فصاح النسخ والمحقّق والريحان « 3 » أحسن منه . وله رسائل كثيرة وقصيدة سمّاها « سرد اللام » عارض بها لاميّة العجم للطغرائيّ . ونظمه فيه يبس . وتوفّي بالمارستان المنصوريّ من القاهرة يوم الثلاثاء سادس عشر شعبان سنة إحدى عشرة وسبعمائة . ومن شعره في الحشيشة [ الطويل ] : وخضراء لا الحمراء تفعل فعلها * لها وثبات في الحشا وثبات تؤجّج نارا في الحشا وهي جنّة * وتبدي مرير الطعم وهي نبات وقوله [ الكامل ] : جهد المغفّل في الزمان مضيّع * وإن ارتضى أستاذه وزمانه كالثور في الدولاب يسعى وهو لا * يدري الطريق ، فلا يزال مكانه ولناصر الدين شافع بن عليّ يمدح خطّه [ الطويل ] : أرتنا يراع ابن الوحيد بدائعا * تروق بما قد أنهجته من الطرق [ 277 ب ] بها فاق كلّ الناس سبقا فحبّذا * يمين له قد أحرزت قصب السبق وبلغ شافعا بعد ما عمي أنّ ابن الوحيد قال لمّا بلغه ثناؤه على شعره وقرظه : أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي . . فهجاه بقوله [ البسيط ] : نعم ، نظرت ولكن لم أجد أدبا * يا من غدا واحدا في قلّة الأدب عيّرتني بعمى أصبحت تذكره * والعيب في الرأس دون العيب في الذنب يعرّض بما كتبه محيي الدين ابن البغداديّ على هامش كتاب خواصّ الحيوان بإزاء قوله : « من

--> ( 1 ) ياقوت بن عبد اللّه ( فأصله روميّ ) مولى المستعصم العبّاسي ، فنسب إليه : خطّاط مشهور ، علّم الخطّ لأهل بغداد وألّف فيه كتابا ( ت 698 ) . ابن كثير 14 / 6 ، الأعلام 9 / 157 . ( 2 ) الليقة هي الصوفة التي تبلّ بالمداد ، وينقع فيها القلم . وهي هنا مادّة الذهب التي يمزج بها الحبر . ( 3 ) هذه مصطلحات الخطّاطين : فالبغدادي حجم معيّن من الورق . والأقلام السبعة كما حدّدها ابن مقلة ( ت 328 ) ثمّ ابن البوّاب ( ت 413 ) ، ثمّ طوّرها ياقوت المستعصمي هي ضروب من أساليب الكتابة : خطّ الثلث ، والمحقّق ، والتوقيع ، والنسخ ، والرقاع ، والريحان ، والتعليق أو النستعليق الفارسيّ . انظر فصل « خطّ » المطوّل في دائرة المعارف الإسلاميّة 4 / 1155 ، وفضل قلم بها 3 / 759 ، وكذلك ترجمتي ابن مقلة « مبتكر الخطّ المنسوب » 3 / 910 ، وابن البوّاب 3 / 759 . وانظر مصوّر الخطّ العربي لناجي زين الدين ص 334 وما يليها .