المقريزي

374

المقفى الكبير

مقدّمة محمّد بن سليمان ، من الفرما بعسكر يريد جرجير حتّى نزل العبّاسة . فتلقّاه جميع الرؤساء بعساكرهم . وبلغ محمّد بن سليمان مقتل هارون ، فجدّ في السير إلى أن نزل العبّاسة ، فدخل طغج في طاعته . ونزل دميانة بمراكبه على ساحل الفسطاط سلخ صفر سنة اثنتين وتسعين ، وعدّتها ثمانية عشر مركبا حربيّة مشحنة بالرجال والسلاح الشاكّ ، فأحرق جسر الفسطاط الشرقيّ عن آخره وبعض الجسر الغربيّ . وعسكر شيبان مستهلّ ربيع الأوّل بعين شمس ، فوافى محمّد بن سليمان بعساكره وعساكر مصر ، فلحق به عامّة أصحاب شيبان ، فلم يجد شيبان بدّا من طلب الأمان ، فأمّنه محمّد بن سليمان ، فسار ودخل عليه في ليلة الخميس . فسار حتّى نزل خارج الفسطاط ، وأصبح يوم الخميس مستهلّ ربيع الأوّل فأحرق القطائع ونهبها أصحابه ، وأسروا من فيها وأتوا به محمّد بن سليمان ، وهو راكب على فرسه في مصافّه ، فما أتى له بأحد إلّا وأمر بذبحه فيذبح بين يديه كما تذبح الشاة . وحملت رجّالته وفرسانه على الناس حملة واحدة هزمتهم وقتلتهم . ودخل بعساكره مدينة مصر بغير ممانع فطاف ومعه محمّد بن أبا وجماعة جند المصريّين بين الرجّالة والفرسان إلّا من هرب . وكان كلّ من أخذ من الرجّالة أمر به فضربت عنقه . وأحرق قطائع السودان التي كانت حول الميدان ، وقتل من كان فيها ، وهم خلق كثير ، حتّى صارت يبابا . وانبثّت الخراسانيّة في المدينة ، وكسروا الحبوس وأخرجوا من فيها وهجموا دور الناس ، فنهبوها واستباحوا حريمها وهتكوا الرعيّة وافتضّوا الأبكار وأسروا المماليك [ 266 ب ] والأحرار من الرجال والنساء ، وارتكبوا من العظائم أمرا فظيعا ، وأخرجوا الناس من دورهم وسكنوها وفعلوا من القبائح ما لا يفعل في مدائن الكفر مثله . ونصبت مضارب محمد بن سليمان على حافّة النيل من المقس إلى ساحل الفسطاط وأمر بالأسرى من المصريّين الذين أخذهم دميانة بناحية دمياط ، فشهّروا بالقلانس الطّوال على الجمال وقد ألبسهم الثياب المشهّرة . وصرف موسى بن طونيق عن الشرطة وولّى عوضه رجلا من أصحابه يقال له وصيف البكتمريّ . وصرف أبا زرعة محمّد بن عثمان عن القضاء وردّه إلى محمّد بن عبدة بن حرب . وبعث بطغج بن جفّ واليا على قنسرين وضمّ إليه جمعا من جند بني طولون . ثمّ أخرج الأعراب الذين قدموا معه ، وقبض على جماعة من الناس من الكتّاب وغيرهم فأعنتهم وأغرمهم الأموال الجليلة بالتهديد والوعيد وأنواع العذاب الشديد . وأخذ من محمّد بن أبا خمسمائة ألف دينار . وصالح بعض الكتّاب من النصارى على خمسين بدرة ، وهو في سجنه ، فبعث إلى أخيه رقعة بحمل ذلك فحملها بزائد بدرة . فلمّا جيء بها إلى محمّد بن سليمان قال : مال يغلط فيه بزائد بدرة إنّه لكثير ! - فأخذ منه تتمّة مائة بدرة . وأخرج أولاد بني طولون ، وهم عشرون إنسانا ، وأخرج بدرا الحمّاميّ واليا على دمشق ، وأخرج قوّاد بني طولون شيئا بعد شيء حتّى لم يدع بمصر منهم من له ذكر ، فخلت منهم الديار ، وعفت منهم الآثار . وجعل أبا عليّ الحسين بن أحمد الماذرائيّ على الخراج عوضا عن أحمد بن عليّ بن أحمد الماذرائيّ ، فورد كتاب المكتفي بولاية الحسين بن أحمد على الخراج ، وجعل إليه النظر في أمور بني طولون . وبعث محمّد بن سليمان بعيسى النوشريّ أحد القوّاد الذين معه إلى بغداد ، فلمّا كان بالشام ورد عليه كتاب الولاية بمصر ، فعاد في رابع عشر