المقريزي

355

المقفى الكبير

لست ممّن يموت أو يقدموني * وأبكّي عليهم في القبور وصحيح بأنّي قد كنت قد م * تّ وأحياني جود هذا الوزير فقلت له : الحمد للّه على بقائك وسلامتك - ثمّ أدخلته الدار ، فتحادثنا . وشكا إليّ فاقة عظيمة وضرورة زائدة ، فقلت له : أتقول إنّ جود هذا الوزير أحياك ، وهذه شكواك ؟ فقال : أحياني بتجبّره بهؤلاء الفعلة الصنعة الكتّاب . فقلت : دع هذا ، وكمّل على هذه الأبيات في مدح الوزير لأعرضها لك عليه ، فلعلّها تكون سببا لإحسانه إليك . ففعل ، فكان كما قلت . ( قال ) : وأمّا البردة ، فحكى لي غير واحد ممّن أثق به أنّ رجلا كان من الكتّاب بمطابخ السكر [ 251 ب ] السلطانيّ مغرى بكتابة هذه القصيدة - يعني البردة - مغرما بها ، ولا يزال يذكر عظيم النفع بها ، وأنّه ما استشفى بها أحد إلّا شفي واستغنى بها عن الدواء . وكان رفيق نصراني معاند يهزأ به إذا قال مثل هذا ، ولا يقدر أن يتكلّم ، إلى أن حصل لابن صغير له رمد كاد يذهب بعينه . فأتاه به غلام له يحمله يوما وهو في مكان مباشرته ، والنصرانيّ إلى جانبه . فلمّا رآه أبوه قال للغلام : اذهب إلى الكحّال فأره له ودعه يكحّله [ ويصف له ما يراه من الطعام والشراب وغير ذلك ] . فرأى النصرانيّ أن قد جاءه وقت الكلام ، فقال : ما حاجة إلى الكحّال ؟ تكفيه البردة ! فغضب المسلم وقال : نعم ! تكفيه البردة ! واللّه لا طبّبته بغيرها ! خذ يا غلام هذه البردة وضعها على عينيه ، ولا تكحّله . ودعه يأكل ما أراد - ودفعها إليه . فأخذه الغلام وذهب به . وكان ذلك يوم السبت . فلمّا أصبح بكرة يوم الأحد ، نظر إليه أبوه فرأى الحمرة قد تقشّعت ، وصفت حمرة عينيه ، وسكن ما به . فحمله وأتى به النصرانيّ في كنيسته ، وقال : انظر ! كيف ترى نفع البردة ؟ فوجم النصرانيّ ولم يتكلّم ، فلمّا كان يوم الاثنين زال ما كان بالصغير حتّى كأنّه لم يكن ، فأتى به أبوه النصرانيّ فقال : انظر كيف هو اليوم ! فقال النصرانيّ : لا شكّ بعد عيان ! - وأسلم وحسن إسلامه ، ثمّ كان من أشدّ الناس تعلّقا بها . وكان الملك الظاهر قد أمر بكسر أوعية الخمر وشدّد فيها ، فقال [ الوافر ] : نهى السلطان عن شرب الحميّا * وصيّر حدّها حدّ اليمانيّ « 1 » فما جسرت ملوك الجنّ منه * لخوف القتل تدخل في القنانيّ فبلغت السلطان فقال : لو كنت أجتمع بشاعر لاجتمعت به . ولمّا عمّرت [ 252 أ ] المدرسة المنصوريّة والمارستان بالقاهرة ، أكثر الشعراء في وصفهما ومدحوا الأمير سنجر الشجاعيّ متولّي عمارتها . فممّن أنشده ، البوصيري ، [ ب ] قصيدة فريدة أوّلها [ الكامل ] « 2 » : عمّرت مدرسة ومارستانا * لتصحّح الأديان والأبدانا

--> ( 1 ) الديوان 6 / 231 . ( 2 ) بالهامش من خطّ مغاير : ح : هذه القصيدة التي ذكر المترجم مطلعها إنّما هي للسراج عمر بن [ محمد بن ] الحسن الورّاق ، وهي مذكورة في ديوانه بخطّه . وليست للبوصيريّ . وهي مفقودة من ديوان البوصيري .