المقريزي
353
المقفى الكبير
ياقوت أن يقول للخادم : افتح صندوق الآثار وأخرج القصيدة من حقّ العنبر وائت بها . فلمّا جاءت وضعها الفارقيّ على عينيه وقرئت عليه ، وكان الشفاء . فسمّيت من حينئذ « البردة » ، واشتهرت بديار مصر ، والشام ، والمغرب ، والحجاز ، واليمن ، شهرة لا مزيد عليها . وزادوا في تعظيمها حتى عملوها تميمة تعلّق على الرؤوس ، وزعموا فيها مزاعم كثيرة من أنواع البركة . وهم على ذلك إلى يومنا هذا . وكان البوصيريّ شيخا مختصر الجسم ، وفيه كرم ، وله شعر فائق . قال فيه فتح الدين محمّد ابن سيّد الناس : هو أحسن شعرا من الجزّار والورّاق « 1 » . وكان يعاني صناعة الكتابة الديوانيّة ، ويتصرّف في المباشرات ، وباشر في الشرقيّة ببلبيس ، ورمى المباشرين بالأوابد . ومات في يوم [ . . . ] سنة خمس وتسعين وستّمائة بالمارستان المنصوريّ من القاهرة . ومن شعره [ الطويل ] : تجنّب أحاديث الحسود فواجب * تجنّبه فيما يقول ويفعل « 2 » وكلّ حسود ما عدته ملامة * وكلّ لئيم ما عليه معوّل متى قال عنّي السوء عندك إنّه * كذاك يقول السوء عنك وينقل وقال في المركب الذي فوق الإمام الشافعيّ رحمه اللّه عليه [ الطويل ] : بقبّة قبر الشافعيّ سفينة * رست من بناء محكم فوق جلمود « 3 » ومذ غاض طوفان العلوم بموته * استوى الفلك من ذاك الضريح على الجودي وذكره الشهاب أحمد بن فضل اللّه في كتاب مسالك الأبصار « 4 » ، وقال : حكى لي شيخنا شهاب الدين أبو الثناء محمود رحمه اللّه قال : كان البوصيريّ على غزارة [ 251 أ ] فضله ممقوتا لإطلاق لسانه في الناس بكلّ قبيح ، وذكره لهم بالسوء في مجالس الأمراء والوزراء . ( قال ) : وكنت أشتهي أن أراه وأتمنّى قدوم مصر للقياه . فلمّا نقلت إلى مصر في الأيّام الأشرفيّة ، سألت عنه في الطريق قبل دخول البلد ، فقيل لي أنّه مات . وكان قد مرض مرضة طويلة أغمي عليه فيها ، فشيع عليه أنّه مات وطارت هذه الشائعة واستقرّت في كثير من النفوس . ( قال ) : فأسفت على فوات لقائه ، ثمّ لم تمض عليّ إلّا مدّة حتّى طرق عليّ الباب ، فقلت : من أنت ؟ فقال : البوصيريّ . فشرعت أردّد السؤال لأستثبته إلى أن قال : كأنّك قيل لك إنّي متّ ؟ فقلت : قد قالوا هذا . فأنشدني بديها [ الخفيف ] : عاش [ من ] بعد موته البوصيري * وحياة الكلاب موت الحمير « 5 » عاش قوم مذ قيل إنّي قد م * تّ فماتوا قبلي بوخز الصدور
--> ( 1 ) الجزّار : يحيى بن عبد العظيم ( ت 679 ) ، والورّاق : عمر بن محمد بن الحسن ( ت 695 ) وعثمان بن سعيد أب لؤلؤ ( ت 685 ) الآتي ترجم لهم ابن شاكر في الفوات : 4 / 277 و 3 / 140 و 2 / 440 وكانت بينهم مساجلات . ( 2 ) ديوان البوصيري 231 . ( 3 ) الديوان 231 . ( 4 ) مسالك الأبصار 18 / 247 ، والزيادة منها . ( 5 ) الديوان 231 .